عن الحرية ، الجزء الأول

...... عن الحرية .........
يقول البعض بأن الإنسان هو كائن قد اختصه الله بالحرية و إلى ما آخره من هذا الزعم و يقول آخرون بعكس ذلك إذ يرون بأن الإنسان ليس حرا و يسردون بعض الأدلة التي يكون فيها الإنسان غير محكوم بحرية .
لكن هل بالفعل ما نقصده في حديثنا عن " الحرية " هو فعلا يختص بـ" الحرية " ؟
............
علينا أولا أن نعلم بأنه لا يوجد " إنسان محض " إلا في عالم تصوراتنا .. فالأقرب للدقة هو أن نصفه بأنه " كائن بشري " و ليس " إنسانا " كما اعتاد بعضنا .. فالإنسان هو جزء من الكائن البشري .. علينا أن نعلم بأن كل فرد منا - و الفرد هنا ببساطة هو " الكائن البشري " -يوجد و غالبا ما هو محاط بأفراد بشريين آخرين.
أيضا علينا أن نعلم بأن ( الكلمات العامة لا تعني بالضرورة ما نفهمه عنها ) و أنه للوصول إلى صياغة دقيقة للكلمات العامة فسنحتاج لتنقيتها من شوائب رؤى البشر قدر الممكن و ئلك حتى الوصول بها إلى الأرضية الأكثر تجريدا و دقة وبساطة معا .. و هذا هو منهجنا في البحث بغرض الوصول إلى المعاني ذات الطابع المنطقي و التجريدي و الأليق في الوصف في ذات الوقت.
...........
فلبندأ بنقيض ما نسميها حاليا تجاريا بـ" الحرية " .. هذا النقيض ببساطة هو " التقيد " و يمكن فهم معنى التقيد ببساطة من خلال خبرتنا إما مع حياتنا الملموسة كأفعال الاختطاف و كتقييد الدجاج و الماشية أو في عالم تصوراتنا كتقييد التفكير مثلا في قضية ما.
أيضا يرى آخرون بأن نقيض " الحرية " - بمعناها التجاري - هو " العبودية " و هي تعني بالنسبة لهم أن تكون " محكوما " أو "مقيدا " بتحركات نظام آخر أو بشر آخرين و بما يمليه عليهم هؤلاء البشر أو هذا النظام.
يمكننا أن نزعم بأن ما يراه هؤلاء البشر قد أعطانا إشارة بدء تساعدنا في الوصول أولا إلى المعنى المجرد للحرية .. فمن خلال هذا النقيض الذي ينطوي على معنى " التقيد " يمكننا أن نفهم إذا ليس فقط المعنى المجرد للحرية و إنما يمكننا فهم سبب نزوعهم لتلك الصورة عن " الحرية التجارية ".
قد يرى بعض البشر بأن الحرية تعني انفتاح الأفق و ببساطة فانفتاح الأفق يتناقض في أذهاننا مع انغلاق الأفق .. و نحن نتصور أن هذا الانغلاق في الأفق يعود ببساطة إلى وجود ما " يعوق " أو "يقيد " وجود هذا الانفتاح.
ببساطة يمكننا بالتالي الوصول حاليا إلى المعنى المجرد المثالي للحرية و هو " انعدام التقيد " .. و لكننا سنحتاج إلى إقامة توضيح بسيط يساهم في تقريب ذلك .. نحن لدينا معنى " اللانهاية " و هو يعني ببساطة " انعدام وجود النهاية " .. و الجميل في الأمر بأننا نعي معنى " الانعدام " و نرى بأنه من المعاني الوجودية .. فهو يتجلى في أذهاننا على أنه " نقيض الوجود ".
..........
فلنرسم إذا تسلسلا بسيطا لتلخيص ما سبق - سيفهمه على الأغلب من لهم خلفية بسيطة في البرمجة -
1- دالة_التناقض( الوجود ) = العدم
2- دالة_المصدر_المعنوي( العدم ) = انعدام( argument )
/* لاحظ بأن دالة المصدر المعنوي تقوم بصناعة دالة أخرى */
3- انعدام( التقيد ) = الحرية
يمكننا تطبيق نفس ذات الخطوات في استنتاج معنى المالانهاية كالتالي
1- دالة_التناقض( الوجود ) = العدم
2- دالة_المصدر_المعنوي( العدم ) = انعدام
3- انعدام( النهاية ) = المالانهاية
سنلاحظ مما سبق الآتي
1- حينما يكون الناتج معرفا ( به ألف و لام التعريف ) هذا يعني بأنه و لأجل توظيفه معنويا في صياغات دقيقة فإنه سيكون بمثابة argument داخل دالة.
2- دالة المصدر المعنوي يكون الـ argument لها معرف - أي به ألف و لام التعريف - .
3- دالة المصدر المعنوي يكون الـ argument لها هو الاسم الأصلي المجرد .. مثلا { الركض ، الهباء ، العدم ، الكسل ، ..... إلخ }
4- هناك دالتان يبدو أن منتجاتهما في الظاهر متشابهة و هما " دالة المصدر المعنوي " و " دالة المصدر المعنوي الـ discrete " و يمكن توضيح ذلك بالمثال التالي
دالة_المصدر_المعنوي( العدم ) = انعدام( argument )
دالة_المصدر_المعنوي_الـ discrete( العدم ) = إعدام( argument )
و يبدو هنا الفرق بينهما في أن دالة المصدر المعنوي تجعل تأثير الناتج يبدو كما لو كان ساريا على مساحة زمانية واضحة و مستمرة بينما تبدو دالة المصدر المعنوي الـ discrete بأنها تهتم بأن يكون الناتج ذات تأثير لحظي - و " اللحظة " هنا قد تكون نقطة أو ثانية أو يوما حتى .. و معنى اللحظة هنا هو الفترة الزمنية الحدسية التي يستمر فيها تأثير الفعل الذي نسميه لغويا بـ" المصدر المعنوي " -
5- ناتج دالة المصدر المعنوي و دالة المصدر المعنوي الـ discrete حين تعريفه - أي إضافة ألف و لام التعريف له - يمكن أن يكون بالتالي بمثابة argument.
6- القاعدة رقم 4 عند صياغة مصدر معنوي بنوعيه تكون غير قابلة للتطبيق على الـ bulk objects و هي يمكن فهمها من أمثلتها { شجرة ، سيارة ،كرسي ، قلم ، زجاجة ، طاولة ، .... إلخ } .. لكن يمكن أن تكون الـ bulk objects بمثابة arguments.
7- دالة التناقض غير قابلة للتطبيق على الـ bulk objects .. بعبارة أخرى يمكن القول بأن الـ bulk objects لا تكون كـ arguments لدالة التناقض.
من القاعدة رقم 4 يمكننا بالتالي فهم معنى " الاقتباسات الزمانية " و الذي تم التعبير عنه بالعبارة " الفترة الزمنية الحدسية ".
و هذه الجزئية عموما هي محاولة تقترب من مذهب الـ nominalism و يمكن للقارئ العادي ألا يتعب باله بها .. لكن في ذات الوقت فإن هذه القواعد المقتبسة و المطبقة هنا و تطويراتها و تعديلاتها - إن وجدت أو حينما توجد - قد تيسر أكثر المسألة و تصبغها بطابع تقني.
.......
من خلال الجزئية التي اعتمدنا فيها على روح الـ nominalism يمكننا أن نفهم بأن الحرية بمعناها المجرد المثالي يمكن فهمها و بمنتهى السهولة رياضيا .. فالرياضياتيون يفهمون معنى المالانهاية المثالي بمنتهى السلاسة و قد وجدنا بأن نمط استنتاج معنى المالانهاية قد تطابق مع نمط استنتاج معنى الحرية .. بالتالي فإن الفضاءات الرياضياتية التي عليها نقوم برسم تصوراتنا تمتلك أعلى مستويات الحرية .. يمكننا أيضا أن نفهم بأن معنى " الاتصال " -و هو قابل للاستنتاج من خلال إقامة النقيض لمعنى " الوحدة " أو الـ " self " على نفس النمط الذي استخدمناه في استنتاج كلٍ من معاني الحرية و المالانهاية - .. و من المعلوم بأن الأصل في نموذج الـ " self " - و المطبق بالمناسبة في قصة الـ natural numbers الشهيرة - هو الإحساس بانفصال بين كل " كتلة " أو " self " أو " unit " .. و يمكننا أيضا أن نقول بأن الـ unit إنما هي حالة خاصة من الـ self كمثل أن الدالة الثابتة هي حالة خاصة من الدوال عموما.
و هنا يمكننا أن نرفع راية الاستغراب .. فمعاني الحرية و الاتصال و المالانهاية قد جائت بنفس النمط .. لقد جائت كمجرد نقائض لمعاني مستقاة من خبرتنا العملية في مجال الإدراك العياني بشقيه " المحسوس " و " التصوري المشتق من المحسوس ".
.......
هل تمكننا بالتالي من الوصول إلى " الحرية " ؟ .. هل يمكننا الآن الجواب عن سؤال ( هل نحن أحرار حقا ؟ )
أظن بأننا نقف الآن في سوق الملابس .. لكن هل نحن نرتدي شيئاً الآن ؟!
......................................
لينك المقالة على الفيس بوك
https://www.facebook.com/serag.hasouna/posts/637942472980429

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح