عن الاعتقاد

.................... عن الاعتقاد ...............................
توفر المعتقدات أرضية لطيفة لاستقرار نظام إدراك الكائن البشري المستقل ، ﻻ يهم فيما إذا تطابق الـ representation مع الواقع أم ﻻ ، المهم هو اتزان و استقرار نظام إدراك الكائن البشري المستقل ، الإنسان مستقل عما حوله و متصل ببعض مما حوله ، يعمد أصحاب هذه الوجهة إلى استخدام abstraction level وحيد أثناء تعاملهم مع إدراكاتهم ، قد يسمحون بإدخال مشاعرهم بشكل واضح ، قد يسعون لإلباس الأمور بلباس ما يعتقدون به ، يبحثون عن النهاية حيث لا نهاية بعدها رغم أن الدائرة كأحد أبسط الأشكال تخبرهم بأن هذا قد لا يتواجد ، من أجله قد يفعلون أي شئ .
الاعتقاد هو أحد الدوال الإدراكية البشرية ، يهتم البشر به كمحور اتزان ﻷنظمة إدراكاتهم المستقلة ، حتما ستعتقد و إن كان اعتقادك في " اللااعتقاد " ، إنه يشبه احتواء الفراغ على اللاشئ ، لذلك يتلاعب معه و به البشر على هذه الأرض ، عند السيطرة عليها يمكنك أن تسيطر بها على هؤلاء البشر .
الاعتقاد ليس أمرا تراه فقط فيما تسميه بـ" المعتقدات " ، إنها مجرد دالة إدراكية ، إنها أوسع مما تتوقع ، في الواقع عند رؤية مصطلح " معتقد " بشكل مجرد - و هو الأمر الغريب و الطبيعي لدى بعض البشر - ستجد أنه لا يعبر سوى عن تلك النزعة الإدراكية ، يرتبط الاعتقاد بما نسميه في لغتنا بـ" القبول " ، حتى أنك يمكنك أن تقبل بـ" الرفض " ، المهم هو أنك تقوم برؤية مقبولية هذا الرفض ، بمعنى أنك لا ترفض هذا الرفض .
يوفر الهوى و الحب و المشاعر أرضية قبول جيدة ﻷي اعتقاد ، يمكنك أن تعتقد بأن التفاح هو الفاكهة الأفضل و الألذ رغم أنك لم تجرب الأناناس بعد .
يمكن ترتيب القصة لدرجات على نظام digital كالتالي { رؤية ، قبول ، تصديق ، اعتناق }
الدرجة الأولى ( الرؤية ) تعني أنك قد ترى الحدث أو الشئ ، قد تصدقه أو لا و لكنك تراه حتما ، يمكن تشبيه ذلك من خلال رؤيتك لبعض الخدع السحرية مع تصديقك أو عدم تصديقك لكونها سحرا ، تكمن المشكلة في أن حواسك تصدق ذلك رغم أن إدراكك الواعي قد ﻻ يصدقها ، في هذه الحالة قد تجد أن الحواس تصدق رغما عن معرفتك بأن ما تراه حواسك هو تزييف ، و من هنا يمكننا استنتاج أن الإنسان يمتلك تلك الـ abstraction level التي تمكنت من إصدار الحكم على ما تراه الحواس فيما إذا كان زائفا أم لا .
( القبول ) و يعني أن نظام إدراك قد أعطى الإشارة الخضراء إلى المعلومة لكي تدخل في حيز الاقتناع ، و لكن سبب تفريقنا بين " القبول " و " التصديق " هو أن القبول قد يكون عمره الافتراضي و درجة قوة الاقتناع به ليست بالكبيرة ، فيمكنك أن تقبل بأن النظام الأفضل لحركة عقارب الساعة هو في الاتجاه المعاكس لها ، هذا القبول قد يكون أكثر عرضة للفناء حينما ترى بأن النظام المعتمد لحركة عقارب الساعة يكون عكس ما كنت تعتقد بأنه الأفضل .
( التصديق ) ﻻ يعني فقط بأن المعلومة أو النموذج المعلوماتي قد امتلك الإشارة الخضراء ، بل يعني بأنها محمية إلى حد ما من التغيير و التحريف عن حالتها الأولى ، لكن تظل هناك درجة احتمالية تغييرها من خلال تصدير ما يوحي لإدراك الكائن البشري بأن ما يصدقه يختلف عن نموذج واقعي متسق و متقارب مع نظام تشغيله الذي يعتبره " منطقيا " ، مثل تصديقك بأن الأحمر و الأصفر و الأخضر فقط هي الألوان المتاحة نظريا المحتملة الوحيدة ﻹشارات المرور ، فلم لا نستخدم الأبيض و البرتقالي و الأرجواني مثلا .
( الاعتناق ) يمكنك اعتباره درجة ذات تصديق راسخ للمعلومة أو النموذج المعلوماتي ، أو يمكنك اعتباره نوعا من التصديق الأعمى للمعلومة أو للنموذج المعلوماتي ، يعني هذا صعوبة تغييره و تحريفه و يعني أيضا أن الشخص قد تعهد بحماية هذا النموذج المعلوماتي و من المحتمل جدا استمرار تصديق المعلومة أو النموذج المعلوماتي و قد يمتد هذا الأمر لسنوات أو حتى طوال فترة حياة الكائن البشري .
................
بعد هذه المقدمة البسيطة يمكننا أن نفهم سبب سعي البشر و اهتمامهم بتلك الدالة الإدراكية ، كيف يمكننا ليس فقط جعلك تصدق ، بل كيف يمكن استخراج نوازعك من طمع و جشع و رجاء و خوف و إيمان و نبذ و غيرها و تحويلها إلى ما يمكننا به إدارة سلوكك ، من السهل التعامل مع إنسان يصدق نموذجك الإدراكي الذي تروج له عن إنسان لا يهتم أصلا بنموذجك الإدراكي ، نركز على الأغلب على جعل البشر يصدقون ما نريد من المعلومات و النماذج الإدراكية ، و هنا سنأتي إلى الجزء الآخر من القصة ، هل نبني معتقدا من الصفر أم نعتمد على ما يعتقدون هم مسبقا به ؟
بالتأكيد بتصور منطقي بسيط معتمد على الحدس سنجد أن الاعتماد على معتقدات البشر السابقة هو الحل الأسهل و الأكثر قبولا و الأقل احتمالا للفشل أو النبذ ، هنا ستكون محتاجا للحركة مع التيار ، و لكن ليست تلك الحركة العمياء ، ستكون محتاجا ﻷن تعرف ما هو تيار الحركة الإدراكية للكائن البشري ، ستكون محتاجا لملاحظته أثناء ممارسته لكل ما يعتقد بوجوبه ، قد يعتقد بعض البشر بوجود مؤامرة تحاك عليهم رغم أنهم و ببساطة يمارسون ما يعتقدون عيانا بيانا و بالتالي ما الحاجة أصلا لوجود مراقبين في الخفاء ؟!
و ما الحاجة أصلا لرسم مؤامرة على مجموعة من البؤساء الذين يعيشون الشهر بالشهر أو اليوم باليوم ؟!
أبسط شئ هو أنه يمكنك أن تبني لهم مسجدا و ستراهم يهللون لك رغم حاجتهم للرغيف ، فإذا لم تنجح تلك المحاولة أو لم تتوقع لها النجاح أو وجدها مكلفة و غير ملائمة فيمكنك التهليل للرغيف ذاته و ستراهم يهللون لك و معك ، في تلك الحالة فإن ميلهم للاعتقاد سيعطيك القبول بينهم في حالة إن سايرت ما يعتقدون به ، من هنا يمكنك تصميم ما تحتاج من النماذج التي تعتمد على تنبؤك بسلوكهم المعتمد على ما يعتقدون فيه .
.........
إن البشر غالبا ما تقودهم طبيعتهم الـ domestic إلى البحث عمَّن يستمع لهم ، إنها طبيعة المشاركة بالإرسال ، يحب أن يراك و أنت تستمتع له بهدوء و تمعن ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، فهو سيحبك أن تستمتع لشيخه الأثير لديه أو لشخصية يرى فيها صورة إيجابية بالنسبة له أو أن تقرأ لكاتبه المحبوب أو في المجال الذي يحب أو أن ترسم بأفعالك تلك الصورة التي يحب أن يراك بها ، يمكنك أن تتصور طرق الاستماع الغير مباشرة لهؤلاء البشر ، هذه الدالة ستساعدك على التغلغل بينهم و اقتناص القبول بمجرد أن تجعلهم يرون ذلك منك .
حينما تتعلم ذلك ستجد أنه ليس من الضروري دوما أن يستمع لك الكثيرون بالشكل المباشر ، و ستعلم بأن القبول لا يجب أن يكون بالضرورة في أرضية الاعتناق لكن نجاحك في الوصول بهم إلى هذه الأرضية على النحو الذي تحتاجه قد تأخذه في الحسبان ، إن بحثك عن قبول أو رضا أي شخص قد يعني أن تكون عبدا لتصوره حتى تحافظ على هذا الرضا و القبول ، هذا النوع من العلاقات لابد أن تكون حذرا أثناء إقامته .
أيضا حينها ستتعلم بأن تتجرد من تلك الصفة البشرية ، لا يهم أن تشارك بالإرسال و أن تنتظر من البشر أن يستمعوا لك بكلا الطريقتين المباشرة و غير المباشرة .
..........
الخير و الشر
ستجد أن أغلب النماذج المعلوماتية التي يعتنقها البشر - أي أنها وصلت إلى درجة الاعتناق لديهم - تعتمد على استخدام الـ template { خير ، شر } ، { جيد ، سئ } ، { حلال ، حرام } ، { أصول ، عيب } ، { إيجابي ، سلبي } ، ..... إلخ ، يمكن كشف سبب ميلهم إلى هذا من خلال هذه المجموعة { أحب ، أكره } و هذا يعني أنهم يعتمدون على مشاعرهم غالبا أثناء التقييم في إطار الاعتقاد الذي يقبع على درجة الاعتناق ، لكن هذا ليس دقيقا كفاية لنأخذ به فلربما قد تعلموا و تدربوا فقط على هذا النوع من الأدوات المنطقية بالذات فكما نعلم " المنطق ليس هو أدواته المنطقية " ، يمكننا من ذلك الوصول إلى أن احتمالية تلوث هذا النوع من التعامل الإدراكي بالهوى تكون أعلى لاقترابه من المجموعة { أحب ، أكره } حيث يتم ربط كل العناصر موجبية النزعة بالفعل " أحب " و يتم ربط كل العناصر سالبية النزعة بالفعل " أكره " بشكل افتراضي و هو ما يؤدي بالضرورة إلى دخول الهوى أثناء تعاطي إدراك الكائن البشري مع النموذج المعلوماتي .
نحن هنا لا ندرس الموضوع من وجهة خيرية الأشياء و الأفعال من عدمها و إنما نهتم هنا بتعاطي إدراك الكائن البشري مع النماذج المعلوماتية المعتمدة على أو المرفقة بتلك المجموعات السابق ذكرها و التي تتبع نفس النمط .
ربما نعلم بأن هذا النمط هو نمط " قياسي " أي يمكننا استخدامه في القياس ، يمكننا أن نجده في أبسط صوره في النظام الـ binary المعتمد على عناصر المجموعة {0،1} ، ربما نعلم بأن القياس قد لا يكون موجودا إلا على الكميات أو القيم ، القياس يعني أن تحاول أن تجد القيمة المحددة للكمية ، أو على الأقل معرفة " مدىً احتماليٍ " يمكن أن تكون عنده تلك القيمة متواجدة ، يعتمد القياس غالبا على وجود معيار للقياس ، أو من خلال المطابقة ، نحتاج للقياس حين اختلاف و تعدد القيم ، و هنا تظهر كفاءة نظام القياس الثنائي ، يوفر نظام القياس الثنائي - { أ ، ب } حيث ( أ ، ب ) متغيرات - أقل عدد ممكن من القيم بحيث تتواجد فقط كميتان قياسيتان محتملتان و مختلفتان في القيمة في مدى القياس .
بالتالي فإنه يمكن استنتاج الآتي " إذا لم تساوي القيمة أ فحتما هي تساوي القيمة ب و العكس صحيح " ، يتوافق هذا أيضا مع الطبيعة الحتمية التي يسعى فعل الاعتناق إلى تبنيها غالبا في أغلب النماذج المعلوماتية التي وصل البشر إلى حد اعتناقها ، فمع انخفاض عدد الكميات المتواجدة في مدى القياس إلى أقل حد " غير منعدم أو صفري العدد " تزداد درجة وضوح احتمالية النتائج كما يمكن لإدراك الكائن البشري استيعاب عدد أكبر من " العمليات " طبقا لهذا النموذج ، خاصة أنه في حال معلومية انتفاء مساواة القيمة المطلوب قياسها مع أحد عناصر المجموعة { أ ، ب } فإنها " حتما " ستساوي الأخرى ، هذا يساهم في سهولة التخمين و التعاطي المبني على الحدس مع معطيات العالم ، و لكن تواجههم العقبة الأهم و هي عدم مطابقة معطيات العالم مع نماذجهم التي تقع على درجة الاعتناق أو التصديق ، هنا فإنهم سيحاولون في بداية الأمر إحاطة أنفسهم بما لا يتعارض مع نماذجهم المعلوماتية التي يعتنقونها أو يصدقونها ، هذه الإحاطة قد تكون من خلال أفعال دعم الاعتقاد ، عند فشل التجربة الأولى فإن الاعتقاد يوفر أرضية ذات درجة من التجريد تساهم في خلق الصورة التي تقوم بوضع تفسير لما يتعارض مع اعتقادهم للوهلة الأولى حيث يساهم هذا التفسير بدعم اعتقادهم و إعادتهم إلى نفس ذات طريقهم ، يشبه هذا فكرة الـ compensator .
من أمثلة ذلك هو اعتقاد بعضهم بأن المصائب إنما هي بسبب ذنوب البشر بحيث يبدو أمامك بأن السبب يعود إلى أفعالهم ذلك على الرغم من أن الأطفال الرضع قد يمرضون و قد يعانون و يموتون و هم لم يرتكبوا ذنوبا حتى .
أيضا قد تجد من يذنب و في المقابل فإن أموره المعيشية متحسنة . بالتجرد من تلك النظرات ستجد أن القصة إنما تحكمها السببية ، فالأمراض تأتي بالأسباب و تحسن الحالة المعيشية تأتي بالأسباب ، و الأسباب لابد لها أن تنتمي إلى عالمنا لا إلى عوالم اعتناقاتنا بالضرورة و لهذا فلابد من دراسة عالمنا و ليس محاولة توفيقه بالإجبار ليتلائم مع اعتناقاتنا .
.........
الاستنتاج
يمكننا أن نلمس هنا تأثير جانب الـ abstraction level لدى البشر ، يتشابه هذا مع إقامتنا لـ simulation داخل إدراكاتنا ، نعتمد في ذلك على ما تمكنت أجهزتنا الإدراكية من جمعه و معالجته و تخزينه - فيما نسميه بالخبرة مجازا - ، أيضا يعتمد على طرق معالجة تلك الأجهزة للمعلومات الواردة إليها و العاملة داخلها و هو ما حاولنا لمسه هنا في هذا الطرح بالتحديد في جزئية الاعتقاد .
نحن نعتمد على ما نراه و ما نشعر به ، نحن نبحث عن تلك الأرضية الصادقة التي تحتضن ما نرى ، لكن هل حقا تتسم تلك الأرضية بالصدق أم أنها مخادعة هي الأخرى كغيرها في عالم تعتمد فيه إدراكاتنا على إسقاطات الأشياء على إدراكاتنا - الـ representations - ؟!
......................
seeking 4 the best
...................................
لينك المقالة على الفيس بوك
https://www.facebook.com/serag.hasouna/posts/579265298848147

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح