نهاية صلاحية التصورات القديمة عن المشاعر و العقل
......... نهاية صلاحية التصورات القديمة عن المشاعر و العقل ............. ....
قد يشكو العديدون من غلبة مشاعرهم عليهم ، و قد تجد آخرين يرون أن قيمتهم و
قيمهم بالأصل نابعة من مشاعرهم ، للأسف تلك المشكلة تمتلك طابعا جماهيريا
حتى أنه من السهل استغلالها أيضا ....
و العجيب أنك تجد أغلب المقالات
تتحدث عن إما الفصل بين كليهما تحت ما يسمى بـ " الصراع بين العقل و القلب "
أو " الموازنة بينهما " باعتبار أن زيادة أحدهما تعني النقصان بالضرورة في
الأخرى و ذلك مع استزراع المقولة المشهورة " ما زاد عن حده انقلب لضده
"....
هذه الأنواع من التصورات و الخدع المنطقية المعتمدة على انخفاض
خبرتنا بالتعامل مع النفس أو على مجرد ثبات تلك الخبرة على قواعد لا تتجدد -
عن عمد من المؤثرات الخارجية - لا تقف أبداً عن الظهور و التعامل في
تصوراتنا التي دوما ما يتم إشباعها بتلك الكلمات القليلات التي يسمونها بـ "
الحِكَم " و التي قد يتم تزيينها بخلفيات تبدو كأنها من أزمنة المنتديات
أو بصور تبث الرسالة بحيث تُدَلِلُ لك على انطباق مضمون الرسالة الكلامية
مع مضمون الرسالة البصرية ، معتمدين على قدراتنا " الطفولية " في " الربط
بين المتشابه " ، و حينما نشعر بتلك العملية و لأننا مبرمجون على منطق
الصواب و الخطأ الذي هو آلي بالأساس و لأننا لم نتدرب على التعرف على جنبات
الحدسية القائلة بأن الاستنتاجات لا يجب لها دوما أن تكون مبنية من عملية
واحدة و أنه قد تتابع العمليات و تختلف حتى تصل للنتائج النهائية ، و لأننا
تعلمنا الإيمان بلا مبرر سوى لضرورة الإيمان فبالتالي وقع كل هذا الفساد
الذي قصدناه و انهار المنطق و تصحرت أراضيه في أغلب أراضي العالم ، و
بالتالي فلم يتبق سوى المساحة لمنطق الحياة المادية العادية البحتة و كفى ،
حتى أن منطق الحياة المادية أيضا تم احتلاله و وَضْع تصورات فوقية عليه لا
تتمتع بقوة سببية سوى قوة الإيمان المجرد و الذي لا يسعى سوى لإرضاء تلك
الصور المنعزلة المرسومة بعناية و إتقان لِفتنة البشر الضعفاء - أمثالنا - .
لقد صار العالم يستحثنا على تطبيق إما " نظرية الجزر المنعزلة " أو " نظرية الاتصال المطلق " .
فنظرية الجزر المنعزلة تقضي بفصل الأمور عن بعضها في محاولةٍ لزيادة درجة
وضوح الصورة و هذا يعتبر التصور الخاطئ لمفهوم التجريد الذي لا يهدف أصلا
لتفكيك الصورة و تخريبها ، بل هو مفهوم يهدف للتعرف على عناصر الصورة و
دورها في صناعة تلك الصورة القائمة و بأقل درجة ممكنة من التشوهات في
المعلومات .
دعني أستعرض لك مثالا بسيطا
1=2-1=5-4=3+2-2-2 .....
هذا التصور هو عبارة عن صور مختلفة للعدد المألوف في عالمنا و المسمى بـ"
الواحد " ، و لأن المقام لن يتسع لشرح القضية المرتبطة به فسأعرض المغزى
البسيط من وراء ذلك ، ما أقصده هنا هو مبدأ " تكافؤ الصور " ، فذلك "
الواحد " قد لا يكون قائماً في الواقع بذاته ، لكنه قد يكون قائماً في صورة
أخرى مكونة من عنصرين أو أكثر يحدث بينهم تفاعل " مثل الـ 5 و الـ 4 في
4-5 و مثل الـ 2 و الـ 1 في 1-2 و مثل الـ 3 و الـ {2،2،2} في 2-2-2+3 "
هذا التفاعل في النهاية هو ما أدى لتكون ذلك " الواحد " ، و لربما حدث
لذلك الـ 1 تفاعلات داخله أدت لتحوله لأي صورة من تلك الصور السابقة - ذلك
على سبيل المثال - .
أما عن نظرية الاتصال المطلق فهي تعني أننا نميل
دوما و من أجل إكمال الصورة إلى ربط كل العناصر " المرصودة من طرفنا "
ببعضها من دون الرجوع لمدى صحة أو اتساق ذلك الربط من عدمه و لمدى منطقية
ذلك الربط .
....
و لكن ذلك العرض و النقد لتلك التصورات السابقة
لن يسبب سوى مجرد الاضطراب و زعزعة أساسات نظام قائم و مستقر حاليا في
التصورات الجمعية المُستَخَدمة حاليا ، و لذلك وجب التعريف بالخطوط التي
على أساسها يمكننا التحرك لاستبدال هذا الوضع البائس ، رغم أن هذا التحرك
هو ضروري مهما كان وضعنا بائسا أو جيدا أو حتى ممتازا ،
هذه الخطوط يمكن تلخيصها في حوالي 5 قواعد كالتالي :
قاعدة 1 : المشاعر لا يحق لها تقرير المصير بينما المهمة تكون للعقل
العقلاني . قاعدة 2 : المشاعر يمكنها أن تتعلم فاجعل معلمها هو المنطق .
قاعدة 3 : التعلم يحتاج للمثابرة و الوقت و المحاولة الدائمة فلا تيأس .
قاعدة 4 : اهتم بتطوير ما تمتلك من مهارات منطقية .
قاعدة 5 : لا تقتنع بحالتك المعلوماتية الحالية لأنه لا يوجد داع أصلا
لهذا الاقتناع ، و أي شعور بالاقتناع بتلك الحالة هو شعور واهم ناتج عن تلك
النفس الضعيفة الساذجة الساعية نحو الراحة ، فبحر المعلومات وافر و مفتوح و
لابد من الاستزادة منه بما يحقق القوة لنظامك المنطقي الذي سيتولى زمام
الأمور .
لكن هذه القواعد بالضرورة تنطوي على درجة من الرعونة و
الإهمال - رغم أنها تبدو جيدة ظاهريا في تأكيدها على سيادة المنطق - ، ذلك
الإهمال هو لما يمكن أن نسميه بالحقيقة المهمة و التي تقضي بأن المشاعر هي
كائن قائم في العقل البشري ضروري لوجوده و بقاءه و من الممكن أن يكون هو
أصلا نواة نظام التشغيل لبعض البشر ، إذا كيف يمكننا التغلب على تلك العقبة
؟
يمكن ذلك من خلال استحضار نموذج المماليك في أكثر صوره سذاجة و
سطحية من أجل خدمة هدفنا ، فنحن نعلم بأن المماليك قد تم استجلابهم و
شرائهم - و هذا يعني ضعفهم الابتدائي - ثم تمت تربية هؤلاء المماليك ، و قد
تتابعت الأمور و اشتد عود هؤلاء المماليك حتى تمكنوا من الوصول لحكم
البلاد " البائسة كالعادة " . بالسير على نفس النمطية يمكننا معرفة القصد
من ذلك ، كل ما عليك ببساطة هو تربية هذا الكائن " المنطقي " و رعايته أشد
رعاية و الاهتمام به و بتقويته ، يجب عليك أن تأتي لهذا الكائن بأفضل
المعدات و الأدوات و التصورات المنطقية ، لا تجعل هذا الكائن يتلوث بما
تلوثت به مناطقك العقلية السابقة ، لا تجعل هذا الكائن يتأثر بما ألفته و
بما تعتقده من قبل ، قم بتربيته من الصفر على أدوات المعرفة و الاستدلال ،
إذا كنت متشددا لعاطفتك قم بمعاملة هذا الكائن بنفس ما يعامله المتشددون
الراديكاليون - بالمعنى الساذج أيضا و ليس بالمعنى الفعلي - مع الرياضيات
حين تعلمهم لها ثم قم بتحسين تلك المعاملة ، أو ابدأ بالمعاملة الأفضل فذلك
سيكون أقل تلوثا من حالة هؤلاء الراديكاليين ، فهم في الغالب لن تجدهم
يرفضون تلك الرياضيات ، باختصار يمكنك أن تجعل " المنطق " يُعَامَل كما
عُومِلَت الرياضيات معهم أو بأفضل من ذلك ، هذا في حال عدم قبولك المبدأي
لها ، أو يمكنك اعتمادا على قدرتك على الإبداع أن تُكَوِّن نموذجاً عاطفياً
لدعم تنشئة " المنطق " داخلك .
غالبا ستجد من التصورات الخارجية التي
ستشكك في تحركك نحو إنشاء منطقك ، هؤلاء هم من يمكنك تسميتهم " الأصدقاء
قلباً الأعداء عملياً " ، فهم لن يكونوا بالضرورة سيئين ، و بل و قد تجدهم
يفعلون ذلك حرصا عليك و حباً لك ، لكن عليك أن تعلم بأنهم أيضا من الناحية
العملية يمنعون إنشائك لذلك الكائن المهم و المترقب إصداره و الذي هو "
المنطق " بالضرورة .
بعد تلك الخطوات التي تم شرحها يمكنك بعد ذلك
العودة للقواعد الخمس ، لن أقول بأنه من الضروري تطبيقها في البداية لكن
الضروري هو تَفَهُمها بالأساس ، لإنه من الجيد وجود " احتمال " لِتَمكنك من
تسهيل تلك القواعد فهماً و تطبيقا على نفسك من جهة ، و من جهة أخرى فإنه
لا مصادرة على تطوير تلك القواعد و تحسينها فهذا الحق في التطوير و التحسين
متاح بالأساس .
........
للإنصاف : لا تعني تربيتك للمنطق و
تطويرك و اهتمامك به هو أنه البيئة الإدراكية الأفضل لفهم العالم ، فنحن
البشر في خلال سعينا نحو الأفضل لا نجرب طريقا واحداً ، لكن سبب أهمية وجود
تلك البيئة الإدراكية منطقية الأساس هو أن المنطق متسق في التعامل مع أغلب
المعلومات الواقعة في إطار تفسير الظواهر على النطاق الماكرومتري الإدراكي
، هو بيئة تفسيرية بالأساس ، و التفسير قد لا يعني بالضرورة المطابقة مع
الشئ المرصود ، فالخس النابت في الأرض لا يتطابق مع الخس المرسوم على الورق
لكن ذلك الرسم هو عملية تفسير لشكل ذلك الخس و من إحدى جوانبه فقط ، مع
ترك الحدس البشري ليكمل الباقي ، و تطوير البيئة المنطقية الإدراكية سيتبعه
بالضرورة تطوير لبيئة الحدس التي نتعامل معها و إعادة ترميم و تحسين و
تنقيح لها .
..............
و بالنهاية أرجو أن يكون ذلك مرجعا
جيدا يساعد في عملية التحرك من البيئة المشاعرية الغير مدعومة بقوة ببيئة
منطقية من النوع الـ materialistic إلى بيئة لن أقوم بوصفها ، فالطبيعة قد
تعطينا - حاليا أو مستقبلا أو كليهما - احتمالات أفضل مما نعلم حاليا ، أو
فيما يمكن تسميته مجازا بالتحرك من اللامنطق إلى المنطق .
..............
Enjoy
seeking 4 the best
..................................
لينك المقالة على الفيس بوك
https://www.facebook.com/serag.hasouna/posts/544614748979869
Comments
Post a Comment