هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

(1)المقدمة، مراتب اليقين:-
كما هو معلوم، يمكن تقسيم المعارف ضمن مراتب اليقين التالية:
1- معارف يقينية: وهي تحوي المنطق والرياضيات.
2- معارف ترجيحية: وهي تحوي المعارف التجريبية (مثل العلوم الطبيعية) والتي تظهر أنماطها بالتكرارية المباشرة، والمعارف التاريخية (مثل العلوم الإنسانية) والتي تظهر أنماطها بتحليل الأحداث التاريخية نظراً لصعوبة أو استحالة ظهور التكرار المباشر.

ما يجمع كل هذه المعارف هو أنها جميعا معارف دنيوية أرضية، وأن القسم الترجيحي منها يحتاج للقسم اليقيني كي تتم صياغة عباراته التقريرية وتحليلاته التفصيلية.
باختصار، هناك تراتبية في المستوى، حيث المعارف الترجيحية في المقدمة باحتكاكها المباشر بالواقع الملموس، والمعارف اليقينية التي تعطي الأساس الموضوعي للصياغة الترجيحية.
......................

(2) الرغبة والواقع:-
في حوارات الإيمان واللاإيمان، تسعى الأطراف المختلفة لتبرير أرضيتها، وفي العموم فإن محاولات التبرير تقع ضمن إطارين أساسيين:-
1- الإطار الطبيعي.
2- الإطار الأخلاقي الاجتماعي.
وعادةً ما يسجل المؤمنون النقاط الأعلى في الإطار الأخلاقي، ويسجل الغير مؤمنين النقاط الأعلى في الإطار الطبيعي.
التميزالأخلاقي للجانب المؤمن يعزى إلى أنه لايبدأ من الواقع وإنما يبدأ من الرغبة، الرغبة في فرض شروط وأحكام على الواقع.
إذا ما أخذنا بالاعتبار أن سوء الواقع ليس مبررا لأهليته الأخلاقية، فلابد وأن يكسب الجانب المؤمن الأتباع، ويحارب تحت لوائه الحشود، فالرغبة هي أساس الإقناع الناعم، والحاجة هي أساس الفعل، واجتماع الرغبة مع الحاجة هي أساس تحريك الفعل.
في المقابل، يتميز الجانب الغير مؤمن حينما يصف الواقع على ما فيه من سوء وانعدامٍ للعدل، ويتحرر نسبياً من الرغبة في تعديل ما ساء من أوضاع إلى فهم ما يمكنه القيام به للتحكم بنفس ذات الأوضاع، وإلى فهم مآلات الأمور السيئة اللاأخلاقية السابقة.

......................

(3) هل محتوى الرغبة الأخلاقية واقعي؟:-
من أهم ما تعد به الأديان هو أن نهاية العالم ستكون أخلاقية بامتياز، حيث ستتم محاسبة جميع البشر حساباً أخلاقيا من أعلى سلطة أخلاقية.
حتى الآن لم تتحقق نهاية العالم، وتبقى أعلى سلطة أخلاقية محل خلاف على إذا ما كانت موجودة أم لا،ويبقى الوعد وعداً.
لكن، ما يمكننا أن نراه هو أن الأحكام الأخلاقية لا يسعى لتحقيقها سوى المعتقدين بصحتها، أي أنها تبدأ من البشر إلى الواقع وليس العكس.

......................

(4) هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟
باختصار، حينما يبدأ الجانب المؤمن في رسم الميتافيزيقا الخاصة به فإن نقطة البداية لديه ليست من الواقع وإنما من الرغبة في صورة متناسقة تصل إلى النهاية الأخلاقية المرغوبة.
بالمقابل، حينما يبدأ الجانب الغير مؤمن والمؤمنون الذين يقومون بتحييد إيمانهم برسم الميتافيزيقا الخاصة بهم فإنهم يبدأون من الواقع، أو بمعنى أدق، من ما هو مرصود (كيفما هو مرصود) من الواقع.
لكن هل تنتمي النتائج الميتافيزيقية إلى الجانب الترجيحي أم الجانب اليقيني من المعارف؟
عادةً ما يحاول الجميع الادعاء بأن نتائجهم الميتافيزيقية يقينية، وذلك لأنها لا تتمتع بميزة قابلية التجريب أو الرصد المباشر.
لكن ما الذي يجعل الناس تتفق أكثر على محتوى المنطق والرياضيات عن الاتفاق في الميتافيزيقيات؟
ذلك أن المنطق والرياضيات موضوعيان، تجريديان وأساس تجريداتهما تبدأ من الواقع، والأهم هو واقعية أساس التجريد.
انبنى النقد الأساسي على الوضعية المنطقية على أن أساس رفضها لما هو غير تجريبي أو منطقي ليس تجريبيا وليس منطقيا، لكن بالمقابل هذا يكشف أن النظام اليقيني المتسق يحتاج إلى شريحة ميتافيزيقية رقيقة كي يبدأ الحياة منها، هذه الشريحة هي القبول بالواقع كواقع، سواءً المجرد منه أو الملموس، قبل وضع أي رغبة أو حاجة بعين الاعتبار، فإذا ما تم أخذهما في الاعتبار فإنهما يكونان تحت إطار الرصد والتجريد ذات الأساس الواقعي من حيث هو كواقع وليس من حيث ما هو مرغوب أو حتى مطلوب من الواقع.
أما التوسع في رسم الصور الميتافيزيقية بحيث لا يكون الواقع هو نقطة البداية فلا يتم قبوله لا يقينيا ولا ترجيحيا.
الأمر أشبه بالمغناطيس، حيث يمكنه أن يجذب الحديد والمغناطيسات الأخرى من حوله، لكن ليست من خصائصه أن يجذب ذاته.
وتشبه تلك الشريحة الميتافيزيقية المُفرَدَة الكوزمولوجية التي بدأ منها توسع الكون المرصود.
ومن هنا تأتي النتيجة الصادمة التي يفرح لها غير المؤمنين حاليا، وهي أنه طالما أن الميتافيزيقيات الدينية تبدأ من المرغوب (النهاية الأخلاقية) فهي لا تمثل معارف، لأنها ليست يقينية (على أساس الشريحة الميتافيزيقية التي تؤمن بمجرد واقعية الواقع) وليست ترجيحية (على أساس الاستقراء واستخدام المعارف اليقينية كأدوات صياغة).
لكن بالمقابل، حيث أن فرض الأحكام الأخلاقية له أساسٌ من الحاجة الاجتماعية لحل الخلافات سلميا، تتسلل الأخلاقيات إلى الساحة الترجيحية باعتبارها أنماط اجتماعية تطبيقية تخضع للتجربة والرصد، وتزدهر ساحتها التطبيقية في أوقات السلم، وتضمحل وتختفي أوقات الخلاف والحرب والعصبية، وهنا تظهر النقطة الذهبية التي يتميز بها الجانب المؤمن، وهي التصريح بالموضوعية التامة لما هو أخلاقي، وحينما تحتد الخلافات وتدخل الحرب تزداد الدعوة الإيمانية إبهارا نتيجة لزيادة الحاجة والرغبة في تحقيق النتيجة الأخلاقية التي تتباعد عن الأيدي والأبصار شيئا فشيئا.

......................

(5) دين الإنسانوية، وميتافيزيقا العصر.
نحن إذاً أمام نتيجتين:-
1- النتيجة الإيمانية: الأخلاقيات يقينية.
2- النتيجة الغير إيمانية: الأخلاقيات ترجيحية تطبيقية.
لكن ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما أساءت الهيئات والسلطات والرموز الدينية استخدام الأخلاقيات؟، لابد من ظهور غريمٍ من الطرف المضاد لسد الفجوة.
فحينما يتم تبرير المظالم على أساس ديني، ويفقد الناس المصداقية في الممثل الأساسي ليقينية الأخلاق، تظهر طائفة من الغير مؤمنين يقولون بأن الأخلاقيات يقينية، ويحاولون تبرير مقصدهم بفشل معارضيهم، لكنهم حين يتجهون للأساس الغير إيماني فإنهم لا يجدون مفراً من خلق ميتافيزيقا تبدأ أيضا من الرغبة وليس من الواقع، ومفادها أن الإنسان هو المركز، وأن الغاية من الوجود هي تحقيق أقصى قدر من السعادة للإنسان.
ومن هنا، فهؤلاء الغير مؤمنين سابقاً تحولوا إلى فئة مؤمنة بشكل جديد.

......................
(6) الخلاصة والخاتمة:-
الواقعية المطلقة تقتضي أن تكون الميتافيزيقا الوحيدة هي الإيمان بالواقع كواقع، تحقيقا لقانون الهوية (Law of Identity)، وبالتالي تنبني على أساسٍ يقيني من المنطق، فتكون النتيجة النهائية هي أن الواقع يُشير إلى المنطق والمنطق يشير إلى الواقع، وهي نتيجة متكاملة.
وهذه هي أصغر الميتافيزيقيات حجماً على الإطلاق، والميتافيزيقا الوحيدة التي تمتلك التكامل المطلق حتى الآن.

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

حرب سرقة الأرواح