البحث عن القيادة

.......... البحث عن القيادة ............. ............
في السابق كنا قد تعرضنا للموضوع بشكل بسيط هنا 
و قد كان ذلك في إطار توضيح بأنه هناك حالة من اللاتوافق بين منظورين قائمين و قد كانا " رومانسية الأفكار " من جهة و الـ accessibility من جهة ، و قد كانت النتيجة النهائية لهذا الطرح تقضي بأن كل طرف من هذه الأطراف سيظل ملتزما بمعسكره و سيظل يرى الحماقة في أفكار المعسكر الآخر ، رغم أن هذا النوع من الأطروحات قد لا يكون على درجة عالية من الدقة لأنه لا يقوم بسؤال هؤلاء الأشخاص بأنفسهم إلا أنه قد يكون معبرا عن خلاصة الوضع الذي يصل إليه الأفراد العاديون أثناء تنقلاتهم الطبيعية فيما نسميها بـ" الحياة " أو " الدنيا " أو بالاسم المركب " الحياة الدنيا " و الذي يعني بأن كامل الوجود هو عبارة عن حياة أبدية متصلة .
بل إنه يمكننا أن نلمح درجة من السذاجة و السخف حين - مثلا - تبرير شدة إيمان المؤمنين بأنه مجرد " قصة أدرينالين "
لقد كان الطرح السابق ناتجا في أيامٍ كانت فيها للكاتب أول مواجهة و علم فعلي بالصراع الدائر على المنطقة المعنوية و في نطاق نظام الحكم البيروقراطي و التي يتم تسميتها بـ" مصر " ، و كان على ما يبدو منه محاولة " رومانسية " - إن جاز التعبير - بشكل يبدو عقلانيا لتقريب وجهات النظر بين " أشباه العقلانيين " الذين كانوا يرفعون شعار " عجلة المرجيحة ، قصدي الإنتاج " و بأننا نحتاج لـ" خطة " كونية جهنمية استراتيجية لحل ما يتم تسميته إعلاميا بـ" الأزمة " و بين وجهات نظر نظرائهم " الرومانسيين " الحالمين الذين يرون بأن صلاح الأمور و قوامها لا يأتي إلا من خلال هذا البطل القائد المغوار - أكيد عرفتوا هوة مين - الذي سيحارب الفساد و يصلح الأمور و يسد على الإرهابيين الثغور
للحقيقة يمكننا أن نلخص هذا الطرح المتفائل للكاتب بأنه " كاتب طيب فشخ "
الواقع هو أنه يمكننا القول بأن " أشباه العقلانيين " قد خرجوا لكي " ياكلوا بعقول الرومانسيين الحلاوة "
فرسم المخططات للجمهور و التبشير بأنه هناك أمل و بأننا نهتم بمستقبل الكيان المحبوب و إلخ من تلك العبارات قد لا يتقنها في الأغلب إلا من تشبع بهذا الحس " العقلاني المظهر " هو السبيل الوحيد لجمع هؤلاء " الرومانسيين " حول هؤلاء " الأشباه عقلانيين " ، الواقع أننا قد لا نكون استثناء من أن نكون من " أشباه العقلانيين " ، و الواقع أن تلك الفلسفة القديمة من " الضرب على ذات الأوتار القديمة " لم تؤت بثمارها ، و الواقع أن نفس الأنماط ترسخت و لم تتزحزح ، و أن نفس الـ atmospheres لم توضع على موضع المسائلة ، الواقع أن فعل المراجعة - إن تم - فهو لم يقم بتحريك هؤلاء " العقلانيين " من مواضعهم و كذلك الأمر مع نظرائهم الرومانسيين ، و الواقع هو أن تلك المقولة التي قيلت ف الطرح السابق تعود لإثبات نفسها - رغم طيبة طرح الكاتب السابقة - ، حيث يقول : ( ببساطة ما ستجده هو أن الواقعيين سيسخرون بالطبع من الرومانسيين و الرومانسيين كذلك ، و لن يطور كل منهما الآخر ، بل سيعمل الواقعي على استغلال ذلك الرومانسي و كذلك سيحاول الرومانسي اللعب على الثغرات العاطفية للواقعي حتى يمنعه أو يخضعه لسيطرة أفكاره ، كما لا ننسى استخدام الأفكار الدينية المسحة ظاهريا في ذلك السياق ، و هو سلاح خطير يملكه الرومانسيون ليحافظوا على وجود الكثير من أفكارهم ، و سيحتاج كشف تلك الخداعات و إبلاغ هؤلاء الرومانسيين بخطأهم لجرأة ليست بالسهلة )
.........
لماذا القيادة ؟
من منظور بعيد قليلا عن المنظور السابق يمكننا أن نرى بأن المجموعات الصغيرة قد تجد فيها فردا أو جمعا بسيطا - من حيث العدد - من تلك المجموعة هم من يملكون درجة التأثير الأعلى في اتخاذ القرار للمجموعة ، و الواقع أن كثيرا من البشر بسبب تكرار الظاهرة الاجتماعية و بسبب تكرار تلك الظاهرة من زيادة درجة سلطة اتخاذ القرار عند جزء من المجموعة البشرية فإننا - نحن البشر - قد وضعنا للقيادة تعريفا لا يخرج عن هذا الأطار المأخوذ بشكلٍ empirical ، فنحن نرى هؤلاء القادة الأقوياء الظاهرين ، نراهم مؤثرين و طامحين و شجعان و إلخ من تلك الصور النمطية ، قد يكونون أمامنا أشرارا أو أخيارا من وجهة نظرنا البشرية المشاعرية ، قد نميل لمن نسميهم منهم بالأخيار و نقوم بوضعهم كنماذج و رموز كعادتنا نحن البشر .
الواقع أن تأثير تلك الرموز و تلك الخبرة و ضوضاء الحديث عنها و ضوضاء تلك الرموز هو ما منعنا من القيام بالتعويض في معادلة الاجتماع البشري و لو لمرة بالرقم 1 .
و لو قرر بعضنا القيام بذلك فلابد من أن نرسم له نموذجا جاهزا يحتذي به و يشتريه في الصور و الكتب و الشخصيات التي تدعو لأمور قد تقترب من المشاعر و هراء أحاديث النجاح و الفشل التي تلعب على وتر قلق البشر على أرزاقهم و حيواتهم و قلق عدم تحقق رغباتهم الحياتية في العمل و الزواج و السير بشكل مُرضي للإطار النفسي و الاجتماعي .
في النهاية يتم توجيه تلك الدالة إما نحو حس الاجتماع المفرط أو نحو حس الغرور المطنب .
لكن ماذا لو قررنا التعويض في معادلة الاجتماع بالرقم 1 بعيدا عن تلك الضوضاء ، بعيدا عن أحاديث جهاد النفس و قوة الثقة بالنفس المتعارضة في أصلها ، إذ كيف يمكنني أن أجاهد نفسي و في ذات الوقت أثق بها و أتمكن من الخروج بذلك الخليط سليما ؟! .
الواقع أن القيادة هنا لم تكن في يد صاحب الرقم 1 ، بل لقد أخذ من الـ external world و بالتحديد من الـ atmosphere الذي يتحدث دوما عن " القيادة " ما يبثه من تصورات و قام بجعل تلك الأمور تقوم باحتلال أرضية الـ internal world لديه ، إن الأمر يشبه بقيام حاكم بلد ما بفتح أراضيه لدخول مستعمر أجنبي عليها ، بالتأكيد فإن دخول المستعمر سيكون بشروط المستعمر ، و بالتأكيد فإن حاكم تلك البلاد سيكون دوره هامشيا و فرعيا و في مصلحة ذلك المستعمر بالمقام الأول ، لكن الغريب هو أننا بعضٌ منا يرون بأن في هذا المستعمر خيرا ، و بالتالي يصبح الغريب طبيعيا بسبب قبولنا لدخوله في أرضنا دون أن نتفهم دوافعه و نحاكم تصوراته ، و ذلك لأننا قررنا لكي نكون واقعيين بأن نكون رومانسيين في سبيل ذلك .
.........
في السابق يبدو أننا لم نحاول حتى الإجابة على السؤال المطروح " لماذا القيادة ؟ " ، و قد قمنا بتحليل بسيط لما قد أدى إلى حالتنا الطبيعية اللاعقلانية تلك ، فنحن آلات حيوانية بطبيعتنا ، نحب المألوف و السائد و الممتع و المترسخ داخلنا ، و هذا هو ما أتاح لبعضنا أن يرسخوا في ذواتهم ضرورة التعلم دوما و التدرب دوما و الملاحظة و الاستماع للطبيعة دوما ، و أيضا هو ما أتاح لبعضنا الآخر الثبات على الـ snapshots المحبوبة لهم .
لكن لماذا لم نتحرك حتى في الحديث عن الـ object الخاص بالقيادة ؟! ، هذا لأننا لا نتصور القيادة على أنها object كما يتصورها بعض البشر ، القيادة قد لا تكون سوى مجرد كلمة نستخدمها لوصف حالة لا نتمكن من وصفها بدقة حينما يتمكن شخص أو مجموعة أشخاص من الإمساك بزمام أمر جماعة بشرية ما و التمكن من تحريكها و التلاعب بها و التأثير فيها بشكل يبدو واضحا ، إنها قد تتماثل مع وصفنا للكاتب بأنه " حامل القلم الكاتب " ، فبالنسبة لمذهب الدقة فإن هذه الكلمة بهذا الشكل لا يعتد بها كوصف دقيق ، هذا لأنه قد يطرأ هذا السؤال البسيط القائل " قيادة ماذا ؟! ، و بماذا و كيف و لماذا ؟! "
يمكننا تصور القيادة على أنها عنصر ناتج عن عملية تجريد " سياسة الأغنام " ، ذلك بحيث يمكننا أن نقول بشكل منطقي لغويا بأننا " نقود طبق المرق إلى الطاولة " اعتمادا على فهمنا لهذا التجريد .
بل إن مفهومنا الترويجي عن " القيادة " ناجم عن نفس نوع " الحدس " الذي نستخدمه في اللغة حينما نقول كلمة " إيمان " ، فإذا سألت أحد البشر العاديين فيما إذا كان " الإيمان " سيئا أم جيدا - رغم علمنا بمغلوطية السؤال - فستجده يبادر برسم صورة وردية عن " الإيمان " ، الحقيقة أنه لا يقصد " الإيمان " بمعناه المجرد و الطبيعي ، لكنه يقصد مركبا معنويا يمثل عنصر " الإيمان " أحد مكوناته ، فالغالب أنه سيكون يقصد " الإيمان بأن ما يعتقده تحت إطار منظومة ما تبدو أمامه على أنها واضحة تحت اسم هو الصحيح و بشكل مطلق و ثابت " ، و هنا ستجد أن هذا الشخص الذي قمنا بسؤاله قد وضع صورة واحدة من ضمن صور المركبات المحتملة و التي يدخل " الإيمان " كمجرد عنصر طبيعي في تكوينها ، و بالتالي فقد يكون زميلنا هذا غافلا عن أن سؤالنا قد يعني شيئا آخر غير الذي يعلمه ، و هنا يظهر أثر طبيعتنا الآلية البشرية حينما يحتل الحدس مكانا أعلى من الملاحظة و المنطق
الواقع أنه يرى " الإيمان " في صورة أحد المركبات التي قد يكونها ، بينما حينما نتحرى الدقة فإننا سنجد أن " الإيمان " هو مجرد عنصر يمكنه الدخول في تكوين مركبات محتملة ، و حيث أننا نحن البشر نميل لوضع أحكام على المركبات فقد قمنا - نحن البشر - بشكل خاطئ من خلال ذلك الحدس بربط " العنصر المجرد " بحكمٍ لازمٍ و ثابت رغم أنه لا يَحتَمِلُ أي حكم بسبب كونه " عنصرا مجردا " .
و قد تحدثنا في سياق سابق عما تمت تسميته بـ" هوى الاعتقاد " و المرتبط بقضية " الهوى " و التي تم شرحها بشكل أكثر توضيحا هنا
و بالعودة إلى " القيادة " آخذين ف الاعتبار تشابه طريقة إنتاج وجهات نظر البشر لها مع نفس الطريقة التي شرحناها هنا بخصوص " الإيمان " فإنه سيكون بإمكاننا فهم اتباع البشر لنفس دوال " التأييد " للـ atmosphere الذي يستخدم المعنى الترويجي للقيادة و فهم كيف التبس عليهم الأمر
..........
أيضا يبدو أننا في الفقرة السابقة لم نجب على نفس السؤال " لماذا القيادة ؟ " و هو ما يعني بأن طبائع البشر في الوقوع في الالتباسات الإدراكية المعنوية يبدو أمرا ثريا و ذا أهمية قد يطالبنا بأهلية عرضه قبل الحديث أو التلميح حتى عن " القيادة " ذاتها .
في الواقع فإننا قد وضعنا تلميحا عن الجواب في بداية تلك المقالة حينما ذكرنا بأنها ترتبط بتركز سلطة اتخاذ القرار لدى جمعٍ من البشر ، بالتالي يمكننا أن نفهم بأن الأمر يتمحور حول " اتخاذ القرار " و الذي هو بالأصل عمل بشري فردي محض و إن كان قد يأتي من خلال تشاور الأفراد ، لكن بالأساس فإن عملية اتخاذ القرار هي عملية بشرية فردية و إلا لما وجدناها قائمة في الجماعات البشرية ، فليس من المنطقي - على مستوى الـ 1st order logic - بأن تنبثق طبيعة الإنسان من اجتماعه و إلا لما كانت له القدرة على الوجود وحيدا في أي لحظة من لحظات حياته ، بل إن طبيعة مجتمع البشر إنما تنبثق من كل فرد فيهم ، بحيث يمكننا أن نتصور بأن اتخاذ القرار الجماعي ما هو إلا عملية تراكمية لمجموعة القرارات الفردية ، فإذا ظهر لنا بأن جماعة بشرية قد اتخذت قرارا ما فهذا يعني بأن هذا القرار قد اتخذه كل فرد من أصحاب سلطة اتخاذ القرار و أنه موافق عليه بشكل مباشر - من خلال الموافقة الصريحة - أو بشكل غير مباشر - من خلال موافقته على أعراف اتخاذ القرار كأن يكون القرار برأي الأغلبية و ذلك في حالِ عدم موافقته المباشرة على القرار - .
الواقع أننا كائنات منفصلة متصلة ، قد تجد بعضنا ينغمس في سرد مناقب ذاته التي قد تكون في الحقيقة تافهة ، و قد تجد بعضنا ينغمس في سرد عظمة مجتمعه البشري الذي قد يكون غبيا في أفكاره و توجهاته .
أيضا عملية اتخاذ القرار قد لا تكون دوما بشكل ورقي بيروقراطي أو على شكل اجتماعات ، فقد تكون بأمر شفهي بسيط أو مكالمة تلفيونية أو رسالة أو إشارة ، و قد تكون بحركة ما أو سفر لمكان ما ، فاتخاذ القرار كما أسلفنا هو عملية فردية بالمقام الأول و بالتالي فهي ترتبط بالأساس بالشخص ذاته ، و حيثما هو المجال مفتوح لهذا الشخص فإنه بإمكانه اتخاذ ما يراه من قرارات و بأي صيغة يمكنه القيام بها .
الواقع أيضا بأن أحد خدع التاريخ المشهورة هو أن عملية اتخاذ القرار لابد و أن تكون جماعية و بأن مجتمع البشر لابد أن يشارك فيها ، و قد أدى هذا إلى فتح مجال التطفل و السلطوية باسم " مصلحة الجماعة " أو " مصلحة المجني عليه " ، بالتالي أدى ذلك إلى انتهاك خصوصيات الأفراد ، كما أدى إلى دفع الأفراد إلى انتهاك خصوصيات بعضهم باسم تلك " المصلحة " .
و الواقع أن عملية إماهة الفرد تحت إطار الجماعة مع الأخذ في الاعتبار نزوات الفرد في بحثه عن التقدير من الـ external world هي التي تساهم بدرجة لا بأس بها في استمرار و تسريع وتيرة عملية اتخاذ القرار التي تتخذ طابعا جماعيا أو الاهتمام بأن يكون ذلك القرار من أجل هذا " الاجتماع " البشري .
بالتالي فليس من الغريب أن نجد " حكاما جشعين " فهم في الحقيقة قد فهموا ببساطة أن عملية اتخاذ القرار هي عملية فردية ، و قد قرروا أن يستفيدوا من خلال النهب و الاستفادة من مناصبهم ، بالتالي فاللوم يقع علينا بسبب استمرارنا في الجهل و في البقاء على صورنا الوردية الحمقاء من ضرورة إنتاج " القادة " دون أن نكون قادة لذواتنا بالمقام الأول و دون أن نفهم أن فكرة اتخاذ القرار عن طريق المناصب قد تكون buggy و مضرة بنا و تعتمد على جهلنا و غبائنا و تكاسلنا .
في عالم قائم على الصراع و الجشع و الغباء فإن " القيادة " - بمعناها القائم حاليا - تحتمل احتوائها على استغلال الذين تتم قيادتهم ، بالتالي فإنها تفشل في أن تكون هي الحل الأفضل - هذا إن كان هناك حل أصلا - ، بالتالي فإن التركيز على موضوعها بالمعنى الترويجي لها بغرض إعادة إنتاجها إنما يكون في مقام الهراء و المتاجرة بعواطف الرومانسيين و بثغرات أشباه العقلانيين .
بل إنه يمكننا القول بأن التساؤل الترويجي القائل " كيف يمكننا صناعة القائد المثالي ؟ " يتساوى مع التساؤل القائل " كيف يمكننا صناعة الدمية الذكية المثالية ؟ " - في حال تأثر " القائد " بالنزعة الأخلاقية - أو مع " كيف يمكننا صناعة المستغل المثالي ؟ "
بالتالي فإنه لابد من إعادة النظر لفكرة اعتمادياتنا على القيادة و التي تتسم - أي الفكرة - بالتكاسل ، أيضا سيكون لزاما علينا بأن نعلم أكثر عن تفاصيل الحياة المدنية و ألا نكون مجموعة من المستهلكين الجهلة الذين تكون علاقتهم بالخدمات هي علاقة دفع المال للحصول عليها مع الجهل بتفاصيلها و دورتها .
........................
Enjoy
seeking 4 the best
 ..............................................
لينك المقالة على الفيس بوك

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح