ما بين الأمل و العمل

" عليك أن تكون متفائلا ، ثق بربك بأنه معك ، أنظر إلى الأمام و كن واثقا ، ثق بالله و تقرب منه أكثر " ، كل هذه الكلمات و غيرها من نفس ذات المعنى هي الكلمات المنتشرة أثناء الأحاديث بين أفراد الطبقة الوسطى في مرحلتنا العمرية من هؤلاء " المهذبين " - إن جاز التعبير - ، أحيانا ترانا نتحرك سعيا وراء تلك الحكم ، نحب الأخلاق و الثبات على المبادئ ، نراعي دوما الطريق القويم ،
و حينما نكبر و نكبر و نكبر نزداد تمسكا بالمبادئ أو نتركها بالتدريج أو نكون متذبذبين في تعاطينا معها ، و ذلك طبقا لما نراه و نشاهده و نختبره من حولنا ، و لكن الهدف الأهم هو المنتج ، و ما هو المنتج ؟ ، أن تكون إنسانا يتمكن من حياة كريمة و يعيش حياة كريمة من الناحية المادية و المعلوماتية و المهارية ، هذا هو الأهم و الأقوم و الكبير و الأدوم ، فالبشر أصل كل مورد ، و العلم أصل كل تمكن .
...........
" لا لست بمتفائل ، لا أعرف ما هو " الأمام " أصلا لكي أنظر إليه ، نعم قد أثق - إن أردت لأسبابي - لكن لا ضوء لأرى من خلاله فعليا " ، تلك هي الكلمات الجديدة التي قد تصدم من آمن بالكلمات السابقة التي تم عرضها في بداية المقال ، رغم أنها دلالة فعليا على فشل منتجات الأمل و التحفيز ، و دليل على انهيار نظرية الثواب و العقاب و التحفيز و التثبيط الاعتيادية في حل المشكلات ، بل لقد تم استغلال تلك النظرية في التلاعب بالناس و نشر كلمات الأمل و التفاؤل التحفيزية بينهم ، فأصبحنا بلالين منفوخة تعيش على جرعات الأمل التي ما تلبث أن تنفد لنلهث ورائها حتى أصبحنا مدمنين لها ، و قد يدمن البعض الآخر دواء الحزن و الاستكانة التثبيطي ذو المفعول اللذيذ ، فما أكثر لذة الحزن الاصطناعي من خلال كلمات اللا ثقة بالحياة ، و كلمات نهاية زمن الوفاء و غدر الأحبة و خلافه من تلك الصياغات ، نعم ، لقد أصبحنا مدمنين لتلك الكلمات ، لقد سيطرت الأساطير المصاغة بلباقة علينا و أدمنناها ، و انفتحت ثغرات عقولنا لتساهم كل تلك الكلمات التحفيزية بالأمل و روافده من التفاؤل و البسمة و الكلمات التثبيطية بالحزن و روافده من كلمات نهاية زمن الوفاء و الكبرياء في تشكيل وجداننا و أفكارنا و تصوراتنا التي نتعامل بها ، و قد تكون تلك الكلمات لإشباع رغبة التسلية و التي تتشابه مع حالة مشاهدة التلفاز من أجل قتل وقت الملل ، و في الحالتين أصبح التلفاز مقدسا عندنا و رئيسيا و أصبحت تلك الكلمات مقدسة و رئيسية ، سواء نفس تلك الكلمات أو التي على شاكلتها .
و لكن قد لا أتمكن من أقول " هنيئا لمن كفر بتلك الكلمات " ، ذلك أن المشكلة الرئيسية ستظهر لمن كفر بتلك الكلمات في طريق بحثه لتوسيع وعيه .
........
العمل ، هو أصل كل التحركات ، و هو الوسيلة الشرعية لاكتساب الرزق و الحياة المادية ، من خلاله تتكون روابط اجتماعية و تواصلات ، من خلاله نتمكن من البقاء على شفير الحياة ، بل من خلاله قد تكون للحياة معنى أحيانا ، و من خلاله يمكنك قتل ضحيتك أو استغلالها إذا كنت ذا سلطة ، و من خلاله يمكنك السرقة ، يمكنك الغش ، و لديك نظام أخلاقي نسميه بأخلاقيات السوق سيساعدك على شرعنة أفعالك ، فما هو غير شرعي في الأخلاقيات الاعتيادية يكون شرعيا في أخلاقيات السوق عند توفر الغطاء المناسب .
قد تحدثني عن الإقتصاد فيتبادر في ذهنك الاحتياطي النقدي أو سعر العملة أو معدلات البطالة أو البورصة و أخبارها ، لكني سأسألك عن عيوب نظرية النقود و الخسائر الناجمة عن عدم تمكننا من التعامل بأنظمة مالية غير نظامي النقود و المقايضة و فقط ، كما أن المنتجات و الخدمات و معايرتها تحتاج لمراجعات لا نمتلك سلطة إقامتها أو التعرف عليها حتى فنحن لم نتعلم في هذا المجال أصلا . قد أسألك عن سبب عدم تمكن الزكاة و الصدقات من إلغاء الفقر و عن الفساد الذي تتعرض له تلك الأموال مثلا ، و عن عدم تمكن الضرائب من حل مشكلات البنية التحتية و الخدمات ، و عن عدم توفر الوعي الاقتصادي لنا حين تربيتنا و حتى الآن ، و عن عدم تمكن الاقتصاد القائم من استيعابنا في مشاريع إنتاجية و بشكل عادل و منصف و رائع في نفس الوقت و مفيد لنا ،
بل إني سأسألك عن الجدوى الفعلية للأعمال الغير إنتاجية و المحورية في ذات الوقت كقطاع التعليم مثلا ، فقد لا استوعب حقيقة دفع عائلتي لمبالغ طائلة طوال أكثر من 18 عاما في تعليمي و في النهاية أظل لا أتمتع فعليا بمهارات و تمكن فعلي على العمل و الكسب و حين الاستيعاب لذلك أدرك بأن هناك فسادا هو السبب في هذا الميزان المقلوب .
............
يكفينا من ذلك الوصول بأن التفاؤل و الأمل و تلك الكلمات ليست سوى إدمان ، و بأن العمل هو الغابة و الملاذ الأخير في ذات الوقت ، و خاصة إذا كنت أحد مواطني دول العالم الثالث و تنتمي للطبقة الوسطى كما يدعونك ،
فقد تعمل موظفا براتب ثابت و تظل على تلك الحال حتى المعاش ، و يتم استنزافك و كفى ، و قد تكون على الحافة و تعمل اليوم بيومه و أمانك الوظيفي ليس بالمستوى اللائق ، و قد تكون في مكان براتب أفضل يمكنك من حياة أغنى قليلا مقارنة بما و من حولك ، و قد تكون أحد الأصفياء أصحاب الحظوة لدى أصحاب الحظوة ، أو قد تكون مباشرة من أصحاب الحظوة ، المهم هو أن العمل هو الملجأ و المنجى من الهلاك ، أو هو محاولة للنجاة ، أو حتى مجرد البقاء على قيد الحياة ،
و لكي لا أنسى أيضا ، هناك أعمال مثل البلطجة و الترويع أو المحاماة بإخراج المذنبين الفعليين و النزول في وسط الصراعات - التي ندعوها بالسياسية و غيرها - للتخريب الأمني ، و النشطاء السياسيون و السياسيون و الإعلام الموجه و غيرها من تلك الأعمال ، ففي مجال العمل كل شئ مشروع حين امتلاك القوة و النفوذ .
............
و ختاما نقول : ليس بالأمل نحيا و لكن بالظروف و الطاقة ، ليس التفاؤل مرسوما على المَحْيا فالوضع الحالي إعاقة ، تبحث عن قناع مختبئ وراء لباقة ، تظن في وجود نفسٍ أفاقة ، ألا فالجحيم هو الأزل ، و الضياع الأصيل حتمي التواجد قد وصل ، فلا ترتب للحياة الأماني فالقَدَر بأحلامك دوما لا يبالي ، و إن ابتسم لك مرة ففي الأخرى الصَفْعُ بتعالي ، حتى و إن بذلت جهدا متفاني ، فلا تؤمن بالأماني ، و لا بمهترئ المعاني ، فما بين الأمل و العمل دوما هناك الخلل .
.........................
Enjoy
......
seeking 4 the best

Comments

  1. برغم الصدمه الا انى متفاؤل .... شويه يعنى والطريق هوا العلم والعمل
    اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا

    ReplyDelete
  2. ربنا يوفقك يا رب دايما ، و المهم انه تفائلك يساعدك ف رحلتك و حياتك

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح