الانحناء

" ليتنا انحنينا نحو درب لقيانا ، فالقبور قبورٌ و الحياة هُدانا "
قد يبدو من الطبيعي أن تَذَكُر الموت هو الأفضل و الأقرب لكن علينا ألا ننسى بأن كل لحظة نتذكره فيها فإننا نستهلك وقتا ، و بزيادة ذلك الوقت يعني أننا نخسر كثيرا كما هو معتاد في أدبياتنا ، ثم نتحسر في النهاية على ضياع الفرص و نبحث عن بعض المسكنات التفاؤلية - نظرية الكوكاكولا بدل الميا - ، فنحن سنقوم بإشعارك باليأس و الحزن و نُذَكِرك بالموت و ما ارتبط به ثم سنحدثك قليلا عن التفاؤل و الرضا و القناعة ، و كأننا نستخدم معك أسلوب ترغيبٍ و ترهيبٍ ضمني ، فنحن نأخذ منك و نعطيك القليل مما أخذنا ، و نجعل أنفسنا و كلماتنا هي إكسير " ما تبقى " من حياتك ، و هذا هو أصل دهاء اللعبة :) .
لكن هذا ليس صلب الموضوع ، فنحن هنا نتكلم عن إحدى الوضعيات و التي تمتلك معاني مختلفة في أدبياتنا ،
ألا و هو " الانحناء " .
...........
" صدقني لقد " انحنيت " لأقوم بربط حذائي في وسط الطريق ، لكن هذا الأهوج راكب الدراجة " a biker " مر بجانبي مسرعا فأفزعني "
يمكن أن تكون تلك الجملة في سياق قصة ما قد تحدث في الواقع ، بل سيكون التركيز على أن هذا ال biker قد باغته و هو " منحني " ،
لكن هذا الانحناء قد لا يقارن بانحناءة الحاجب حين دخوله على الملك ليخبره بقدوم شخص ما عليه ، ثم انحناءة هذا الشخص الراغب بمقابلة الملك ، و ماذا لو كان ملكا بلا حاجب ، بل ماذا لو كان شخصا يستحق الاحترام فتكون تلك الانحناءة دليلا أعمق من الكلمات ، فإذا كان الزمكان ينحني بوجود الكتلة و الطاقة به ، فلماذا لا ننحني نحن احتراما لكلِ جليلٍ مُستَحقٍ له " مهما بدا مظهره مبتذلا أو أحمقا أو حتى بسيطا " ؟! .
لكن تلك ليست الانحناءة الوحيدة ، فلا ننسى انحناءة الراقصين أثناء تقديمهم لاستعراضاتهم - مهما اختلفنا على درجة استحقاقها الأخلاقي - ، فنراها تتسم بانسجام في الحركة ينم عن جهد بشري يستحق التقدير ، و لذلك قد تجدنا ننحني لهم احتراما و ترى آخرين ينعتوننا بسوء أخلاقياتنا و انحلالها و الفعل واحد ، " فهو انحناء " .
.....
صدقني ، لن تسلم من الانحناءات في طريقك ، فلابد من " دريكسيون " لكي تتحرك بسيارتك ، و إلا فما الحاجة إليه أصلا ؟ ، و بالتالي فما الحاجة لوجود عضلات مرنة تنقبض و تنبسط فننحي ، و ما الحاجة لتلك الرسومات باختلاف أشكالها ، و ما الحاجة لمرونة الأجسام المطاطية ؟ ، أو لحلوى الجيلي اللذيذة الباردة ;) ؟
.....
" لكنني أشعر بأن ذلك الدرب ملتوي ، و أنا لا أحب الالتواء ، فالأفضل هو السير في الصراط المستقيم ، فهو طريق الفلاح بالأصل ... "
و هنا تتجلى عظمة الانحناء في إبهارك بإحدى أشهر حالاته الخاصة " الخط المستقيم " ، فالخط المستقيم يحتوي من الجمال و البساطة و البداهة ما به نقدمه بإخلاص لأبنائنا على صورة مساطر و أقلام ، لكن الحياة لن تعطيك حالة خاصة وحيدة فقط لتستمتع بجمالها - إلا إذا وقعت في الأسر بضعفك - ، فها هي تلك الحلقات الدائرية من البصل المقلي اللذيذ تتراقص في الفم حارة ببهاراتها العذبة ، و حتى تلك الأقلام لا ننسى معها تلك " البراية " و التي تتحرك بشكل " دائري " حين إدخال القلم بها ، كما أن قطرات الماء حينما تسقط سقوطا حرا فإنها تتخذ وضعية " دائرية ثلاثية الأبعاد خالصة " ، و هي ما نسميها في أدبياتنا " بالكروية " ، و ما تلك الدوائر و التكور إلا انحنائات ماديةً كانت أم حركية .
 كما لن ننسى إطلاقا تلك الأشكال الحلزونية الملتفة حول نفسها ، و التي تتبدى في تركيب بديع لدوائر تتضائل أنصاف أقطارها بمقدار النسبة الذهبية 1.618 لتخرج شكلا متناسقا تقبله العين و ترتضيه إن لم تقع في أسر تركيباته البديعة :) ، أو في حلزون آخر هو في أصله تكاتف متناسق من حركة دائرية مركز دورانها ثابت و يزداد نصف قطرها بسرعة منتظمة ، فانظر لعدم أنانية كل دائرة في ذلك الشكل الحلزوني ، فكل دائرة ذات نصف قطر معين ساهمت " بنقطة واحدة " لتكوين ذلك الحلزون .
أيضا لا ننسى أبسط أشكال الأغصان الرفيع منها و السميك قليلا و هي تتدلى من مركز الشجرة السميك المتماسك المغلف بتلك الطبقة البنية من اللحاء و التي تصرخ يوميا من هذا الطلاء البشري الغريب على طبيعتها دون مجيب .
فكيف إذا بك تترك كل ذلك الجمال و تغلق ناظريك على أحد أشكاله فقط ، ثم تأمرني بأن أتبع وجهتك تلك بمنتهى البساطة متناسيا تذوقنا لأصناف من الجمال المتعدد ؟ ، ألا يعني هذا وجود فارق في الخبرة بيننا و بينك في الشعور بالجمال و تقديره ؟!!
........
قد يكون من الغريب أن تكون الحالة " المعقدة " هي الحالة العامة الأصيلة ، و تكون الحالة " البسيطة " هي الحالة الخاصة ، لكن و لأن الحالات الخاصة أبسط ، و لأننا وقعنا في أسر القاعدة القائلة بأن " كل معقد لابد أن يتكون من أصوله البسيطة " فقد قررنا السير على ذلك النهج المعتمد على القواعد " الخطية " ، و التي تتابع و كأنها ترتيب صارم - رغم جمال ذلك الترتيب الذي له تقديره - ، و كأن الحياة كلها عبارة عن " مستقيمات خطية " و لا شئ غيرها ، متجاهلين حقيقة أن المسلمات قد لا تكون بسيطة كما تبدو ، و متجاهلين أن الطبيعة لن تقف فقط على مجرد آرائنا أو نظراتنا أو حتى نظرات السابقين ، فأين باقي ما تتيحه لنا الحياة من جمالها ؟ ،
 فلابد لها أن تثبت لك في كل لحظة عظمتها و اقتدارها على إعجازك و إبهارك في ذات الوقت .
.................                                                                                                                        ..........................
Enjoy :D
........
seeking 4 the best
:D :D :D :D

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح