انهيار نظرية الأخلاق - خدعة الانهيار -

قد نتذكر ذكرنا في مرة سابقة بأن هناك العديد من الكلمات التي قد أراد لها حظها بالانتشار كمثل نهاية الزمن الجميل و زمن الغدر و خلافه من تلك التعبيرات التي تجعلك تشعر بما يمكن تسميته بإرهاصات نهاية العالم ، و قد وضحنا السبب الكامن وراء ذلك بشكل بسيط . هنا سنتعمق أكثر في ماهية الأخلاق و قصص انهيار نظريتها أو خدعة انهيارها بمعنى آخر .
...
الأخلاق ، " إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ، و ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق ، و إنك لعلى خلق عظيم ، إنه رجل مهذب ذو خلق ، ... إلخ " تلك العبارات و غيرها من العبارات الدارجة و التي تستخدم اسم " الأخلاق " ، فهي تذكر اللفظة صراحة و كثيرا جدا ، و من هنا ظهرت الكارثة قبل الميزة - هذا إذا ظهرت ميزة بالأصل - ، فما هي الكارثة ؟! ، تتمثل الكارثة هنا في وجود حالة من حالتين قد تستقران في وجدان الشخص ، الأولى تكون عبارة عن اعتياد على تلك الأحاديث ثم ملل و انعدام تفكر فيما ترمي إليه بالأصل ، فالنصوص وُجِدَت لكي نعقلها بالأصل ثم تأتي مرحلة التقديس حينما تكون المقولة ذات استحقاق - رغم التحفظ على التقديس بالأصل - ، لكننا لن نركز على ضرورة أو عدم تقديس أي نص و ذلك لعدم الإلمام حاليا بنتائج عملية تقديس أي نص - رغم أنه قد يبدو سهل التفسير في الظاهر - ، و ثانيا - الاحتمال الثاني - و هي الانتقال بمرحلة التقديس إلى مرحلة العصبية الهجومية و خاصة في حالة عدم الإلمام بالنص لغرض الإلمام و الوعي بالمقام الأول ، فالنص لابد من أن يكون ذات فائدة و قيمة لكي يمتلك الاحترام ، و إلا فإنه يُعامَل بطريقة عادية أو بالتمحص الدقيق فيه عند الحاجة للوعي بما يحتويه من معنى . و من خلاصة ما تقدم من توضيح لاحتمالات الكوارث عند التعامل مع النصوص التي تذكر " الأخلاق " صراحة كان لزاما علينا أن نتدخل لنفهم ما هي الأخلاق و ما هي فائدتها و لماذا لابد من وجودها ، و لنفهم أيضا سبب ما يتم تسميته بانهيار نظرية الأخلاق أو بمعنى أدق " كوارث الأخلاق " .
فأولا : الأخلاق ليست سبيلا مضمونا للسعادة ، بل إنها قد تجلب التعاسة و الشقاء .
ثانيا : الأخلاق لا تراعي إلا " كائنات " ذات تعريفات ثابتة ، و لا تتأقلم الأخلاق لكي تتوازن مع باقي متطلبات الكائنات الحية - و البشر الأصحاء الناضجون أمثالنا على الأخص - .
ثالثا : الأخلاق قد تساهم في خسارة صاحبها ، و عادة ما نسمع مبررات دينية أو مشاعرية لتحاول تسويغ ذلك الفعل الغريب ، لكن بالنهاية فالنتيجة الحتمية هي الخسارة مهما كانت رؤية الخاسر .
رابعا : الأخلاق لا تستطيع تفسير العالم بشكل دقيق و قيم و تطويعه لصاحبه ، بل هي وجهة نظر في التعاملات و هي وجهة نظر جزئية ، كمثل نظيرتها العلمية أو البراجماتية و خلافهما ، و هي ليست متوافقة دوما معهم و غالبا ما تكون في صراع بينهم ، فمن العجيب أن ترى وجهات النظر - التي لابد لها أن تتعاضد و تتكاتف لتوفر نظرة أشمل و أدق للعالم - تتصارع و تتعارض ، فكيف لنا بنظرة شاملة و دقيقة للعالم إذا ؟! .
تلك الأسباب على الأقل تكفي بالقول بأن الأخلاق لا تمثل سوى نظرة من جانب واحد لحياة متسعة الأرجاء ، و بأن درجات قوتها و أهميتها تستحق التقليل و الإلغاء حين اللزوم ، و العجيب أننا قد ذكرنا من قبل في بداية المقالة بأن القول بانهيار نظرية الأخلاق هو خدعة ، و يتوازى مع ما سمنياه بإرهاصات نهاية العالم ، و التي قد تعني - لأبسط العقول - ظهور أعتى أشكال الضياع و الفساد و الخراب في نهاية الزمان ، و قد يرى بعضهم أبطالا مُنتَظَرِين و البعض الآخر لا يرى بأنهم سيظهرون أصلا و أن الحديث عنهم أوهام ، لكن كلاهما يتحدث بإرهاصاته و فهمه .
و يأتي السؤال ، كيف لنظرية تسبب ما تقدم عرضه من أضرار ألَّا تكون مستحقة للانهيار ؟!
ألا يدل هذا على تناقض ؟! ، و الجواب هو بالتأكيد هناك تناقض و يبدو أنه لا يملك حلا ناجعا ، فهو مفتوح لأعمال بشرية قد تمت هندستها و ترسيخها في العقول منذ التربية - سواء على الأخلاق التي نراها جيدة أو العكس - فنحن أسرى - و ما زلنا أسرى - لِفكرْ #نظرية_الأبعاد .
إذا لماذا لابد من وجود " الأخلاق " رغم تعارضها مع وجهات النظر المنطقية و البراجماتية و العلمية - و لن أذكر أمثلة فحضراتكم ملوك صناعة و تداول الأمثلة - ، لماذا لا نرمي بنظرية الأخلاق عرض الحائط ؟ ، و هنا سأسأل سؤالا آخر مماثل له ، لماذا لا نرمي بالمنطق عرض الحائط ؟ ، ألم يكن من المفترض أن تتوافق الأخلاق مع المنطق و العلم و الجوانب الحياتية ؟ ، أيعني ذلك أن انهيار نظرية الأخلاق يعني انهيارا آخر للمنطق ؟ - فسيكون أداة لتحقيق المصلحة و سيجوز التلاعب به و الوقوع في الخطأ فيه لأجل أغراض تحقيق المصلحة - و انهيارا للعلم ؟ - فستسيطر عليه طبقة تتماثل و الطبقات الكهنوتية و سينقلون العالم بالإجبار لتقديس العلم و تقديس رؤاهم و فقط - ، ثم ستزداد درجات الفساد و الإفساد ، فسيتم تدمير البيئة من جديد من أجل التوفير و الربح ، و سيتم توظيف البشر كما تتوظف الآلات و مع الحرص على استغلالهم من أجل العمل بأقصى طاقاتهم و لكن بأجور قليلة أيضا ، ففي ظل انهيار نظرية الأخلاق ستنقلب الموازين إلى معارك خاسرة كانت من قبل واقفة فقط على شفير الهاوية و ما منعها من السقوط هو وجود بعض الأخلاق .
إذا فالأخلاق مفيدة بجوانب معينة أيضا ، لكنها ليست العلاج للمشاكل ، فبانهيار الأخلاق لن نضمن الإقلال من تلك المشاكل و لكن سنتخذ قرارات قد لا تحمد عقباها على المدى البعيد و حتى على المدى القريب ، و البلاد الفقيرة من بلدان العالم الثالث هي النموذج الأول على انهيار الأخلاق ، فالبشر هناك بفقرائهم و أغنيائهم يستغلون بعضهم بأساليب وحشية و عبودية ، فلا أخلاق إذا حين التعامل .
..
و من هنا فيمكننا القول بأن الأخلاق درجة أهميتها الرئيسة هي أن تعمل عمل المسكنات المؤقتة لمشاكل المرتبطة بفقر الموارد و القدرات و القدرة على اجتلاب الرزق و الحياة الأيسر ،
لكن لا يمكننا نسيان بأن قوة الأخلاق تظهر حينما يكون أصحابها من الأقوياء الأغنياء ، فهم حينما يتبرعون بجهودهم - برغبتهم الخاصة - فإنهم يزدادون ربحا من حيث السمعة و التقدير النفسي أحدهما أو كليهما ، و التبرع بالجهد لا نقصد به المال فقط -فالمال جزء من المجهود و قد يكون مسروقا من الآخرين كالعادة فبالتالي لا نستخدم المال هنا كمعيار - ، فالجهد هو المعيار الأدق في القياس هنا ، فاقتصاد الجهد يفترض العدل في أن تكون كفاءة الجهود عالية - كما نعلم و كما تم شرحه في مقالة #نظرية_اقتصاد_الجهد - ، فالأخلاق ستكون عاملا مهما لزيادة كفاءة الجهود و بالتالي الاقتراب من الحالات الأمثل لاقتصاد الجهد ،
و بالتالي فإن القول بانهيار نظرية الأخلاق قد يعني بالحقيقة افتتان بالمصالح أو إحساس باليأس من قصص ما في الحياة أو منها كلها و يعني أيضا قلة الحيلة في مواجهة التناقضات الظاهرة .
قد تكون نظرية اقتصاد الجهد هي إحدى المحاولات لتكوين نظرية اقتصادية أدق و أشمل من النظريات المادية الصرف الحالية و الساعية لتعظيم الأرباح و تحديد الكتل المادية و فقط ، و قد تكون اعتباراتها الحسابية كمية بالأصل و حينما تتوجه قليلا نحو مهادنة " الأخلاق " فإننا نراها رأسمالية أو اشتراكية و لا حل آخر بديلا و أكثر دقة و عدلا في ذات الوقت ، ينقصها الحساب و التدقيق لكنها قد تكون نواة جيدة نأمل فيها .
................
Enjoy
.......
seeking 4 the best
.....................................
لينك المقالة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/serag.hasouna/posts/491348624306482

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح