اليائس السعيد
تعلمنا في المدارس بأن هناك أمورا كبيرة لابد لنا من عدم إغفالها ، بعضها كانت هامشية بيولوجية كضرورة شرب كوب اللبن في الصباح " و خاصة ذلك اللبن الجاموسي ذو الدسم الذي قد تمقته شفتاك الغضة " ، و بعضها كان وجدانيا مثل أن مصر هي أم الدنيا و أن الوطن هو أجمل البلاد ، و مثل ضرورة احترام الكبير ، و مثل أنه لابد لك من اتباع القيم ، و مثل أنه لابد لك أن تسمع الكلام ، بل لا ننسى أننا قد تعلمنا أيضا أن جميع أفراد الشرطة مستعدون بشغف لحمايتك ، و أن البلاد تسير في طريق النهضة ، و أن تاريخنا كله جميل و رائع .
و قد كان من الواجب علينا حفظ كل تلك الكلمات و المعاني و الأناشيد و حتى الآيات القرآنية التي تدعم تلك الصور و الوجدانيات التي يتم تصديرها لعقلك الغض ، لا أنسى أيضا انخراط الأهل في تحفيظ أبنائهم لهذه النصوص حتى يحصلوا على الدرجات العالية و النهائية في دراستهم ليتفاخروا بهم ، و نرى الكلمات التنميطية من قبيل " الواد دة شاطر - شوفت ازاي هوة/هيا أحسن منك ازاي - شكلك مش فالح - إلخ " هذا في حالة عدم تمكن عقلك " الطبيعي طبعا " من استيعاب كل هذه الحشوات المعلوماتية ، إما من نراهم من " الطهوات حسينين - نسبة لطه حسين " - عباقرة الحفظ عن ظهر قلب - فإننا نرى دوما لهم كل الرعاية و التشدق ، فها هو الولد الذي حفظ القرآن كاملا في سن صغيرة ، و ها هو أحد الأوائل على المرحلة الابتدائية أو الإعدادية فلننشر لاسمه التكريم ، لكن هل سمعتم و لو لمرة واحدة عن أي محاولات جادة فعليا لمعرفة مواهب الأفراد و قدراتهم ؟! ، و أي قدرة على استخلاص المواهب " الفنية التقنية " مثلا في تلك الأعمار الصغيرة لرعايتها و تطويرها ؟! ،
و لماذا تكون المحاولات عبارة عن " مواد بدرجات " طبقا لهذا النظام الذي لا ينفع سوى أصحاب العقليات البحثية و فقط ، أما أصحاب العقليات التقنية فلا يدعمهم النظام ، أصحاب العقليات الفنية المرتبطة بالفن فلا يدعمهم النظام ، حتى أصحاب العقليات العلمية فلا يدعمهم النظام و لكن يريد أن يرى منهم فقط الدرجات و لا شئ آخر سوى الدرجات .
إننا في كل لحظة نعيشها نخسر قدرات و كفاءات بشرية بسبب رغباتنا العميقة في التنميط ، و النابعة من ثقافتنا و بيئتنا الفاشلة بطبيعتها كما نعهد ، ثم تجد من الغريب في الأمر قول بعضهم بأن هذا الشباب عاطل و فاسد ، رغم أن البيئة و النظام لم تتمكنا من تهيئة الأجواء السليمة لهم منذ بداية نعومة أظافرهم ، و لم تتمكن أصلا من فهم مميزاتهم المتعددة و استثمارها و الوقوف مع كل نفس بشرية منها يدا بيد ، فكيف بعد ذلك تطالبونهم بالصلاح و قد كنتم و مازلتم فاسدون و تدعمون فساد البيئة بتبنيكم أفكارها و أنماطها ؟! ، و إنه لمن الغريب أيضا أن تجد التركيز على مطالبتك بالعطاء و العمل الخيري ، رغم أنك في الحقيقة قد كنت - و ما زلت حتى لحظاتك الحالية - تستحق الاهتمام و الدعم من نفس ذات البيئة و النظام ، في تسلسل منطقي من أجل استنزاف طاقات و موارد البشر و إهدارها بالعمل في غير مواقعها و دغدغة عواطفها الساذجة .
.......
في خضم هذه الطرق المحددة الملامح ظاهريا ، الكابتة لتفردات الذات باطنيا ، فقد نشأت بذور القصص التراجيدية و التي تجزم بضرورة وجود الموت قبل الحياة ، و الفشل قبل أي نجاح - إن وجد أصلا - ، و من الواضح أنه لولا أن الله قد أقر بضرورة وجود شئ من الرحمة في الحياة ، لما تمكن أي شخص يمتلك " رؤية تستحق أن توجد " من البقاء حيا حتى اللحظة بتوجهاته نابضا برؤاه و أعماله و فكره ، و لكن من الواضح أيضا - بشكل كمي - أن تلك الرحمة ليست كافية ، أو أن نتائجها مؤجلة لأجل غير مسمى - غالبا ما نسميه الآخرة - و هذا ما يجعلنا نعود لنفس الدائرة ، ألا و هي فقر البيئة و فشلها .
فكبت تفردات الذات يولد حقدا في الأغلب و انحرافاً في الأخلاق و السلوك ليس بأعجب مما علمنا و ما لم نعلم ، أو طاقات مستعرة من الرغبة في العمل أو الهدم و لكن غير موجهة بشكل رشيد فتذهب للهدر و الضياع ثم الانصياع الرتيب التدريجي لمعطيات البيئة القوية على الذات الفاشلة في المجموع ، كما نجد إلهاباً لحماسة الشباب و ليس توجيهاً لهم لمناطق عملية و تدريبية أرقى و أعلى و أحسن لهم ، فيكون الطريق الطبيعي لهم هو طريق " الطيبون الضعفاء " .
.........
لا ننسى بأنه مع الوقت تنكشف بعض الستائر عما كانت تخفيه و تغطيه ، و ذلك الانكشاف يكون في الأغلب بسبب زيادة الاضطرابات في العناصر الخارجية للحياة ، أو بسبب رغبة جامحة ذاتية في المعرفة أو الحرية أو كليهما ، أو لعوامل قدرية هدفها إعلامك بانهيارك و ضعفك من داخلك قبل ما هو خارجك ، فها هو الكبير يحتقرك حينما يرى صغر سنك ، و ها هم الضباط الذين نرى فيهم الصالح و الطالح - ليسوا سواء - ، و ها هو الوطن ليس برائع كما كان يُقَال لنا بل هو مليء بالمصائب و الفساد و بعض من الصالحين أصحاب التأثير المحدود غير المجدي و غير المنطقي ، و ها هي الأحلام لا تتحقق بل تزداد قيود المعيشة و غلاء سعر الحياة حتى أصبحت حياة الذات رخيصة مرهونة بما هو خارجها و تعيش في عبودية ما هو خارجها ، فالذات قد تم استعبادها منذ أن وُلِدَت ، مُثبِتَةً بالنفي للمقولة المنسوبة لعمر بن الخطاب و القائلة " كيف استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " ، بل إننا لنكاد نجزم بأن الشعور بالحرية لا يعدو مجرد شعور واهم ، فنحن عبيد منذ أن ولدنا لعوامل أعمتنا عن حالاتنا المنغمسة في العبودية ، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر .
.........
إن أقرب الطرق للراحة و السعادة في ظل هذا النوع من " البيئات الفاشلة " هو اليأس - و إن كان مؤقتا - ، فاليأس مثل العملية الجراحية أو العلاج ، مؤلم في البداية لكنه مفيد للصحة العقلية و الذهنية فيما بعد ، فبعد تخليك عن أحلامك السابقة و التي كانت و مازالت تؤرقك ستشعر براحة جميلة ، بالطبع قبل ذلك ستأتيك أعراض انسحاب و محاولات لتلك الأحلام المسكينة من أن تعود لامتلاك عرش وجدانك ، لكن يأسك المنطقي و خبرتك بعدم جدوى تلك الأحلام كفيلان بإنقاص ذلك الشعور المنغص بالاندفاع القديم ، فالعالم صعب ، و الخيارات محدودة و إجبارية ، و العمر محدود ، و قدراتنا محدودة أيضا ، و حواسنا قابلة للخداع ، فلماذا نرتكب نفس الجريمة الطبيعية و نقبل بخداع حواسنا من خلال حفنة من الأحلام مستحيلة التحقيق ؟! ، لماذا لا تتطور الظبيان الصغيرة في طرقها للهرب من الذئاب و تكون الخسائر في الظبيان صغيرة السن هي الأعلى دوما ؟! ، هل نتطابق نحن مع الظبيان في عدم تمكننا من تحسين حالاتنا و تكرارنا لارتكاب نفس الجريمة الطبيعية ؟!!.
..................
Enjoy
.......
seeking 4 the best
و قد كان من الواجب علينا حفظ كل تلك الكلمات و المعاني و الأناشيد و حتى الآيات القرآنية التي تدعم تلك الصور و الوجدانيات التي يتم تصديرها لعقلك الغض ، لا أنسى أيضا انخراط الأهل في تحفيظ أبنائهم لهذه النصوص حتى يحصلوا على الدرجات العالية و النهائية في دراستهم ليتفاخروا بهم ، و نرى الكلمات التنميطية من قبيل " الواد دة شاطر - شوفت ازاي هوة/هيا أحسن منك ازاي - شكلك مش فالح - إلخ " هذا في حالة عدم تمكن عقلك " الطبيعي طبعا " من استيعاب كل هذه الحشوات المعلوماتية ، إما من نراهم من " الطهوات حسينين - نسبة لطه حسين " - عباقرة الحفظ عن ظهر قلب - فإننا نرى دوما لهم كل الرعاية و التشدق ، فها هو الولد الذي حفظ القرآن كاملا في سن صغيرة ، و ها هو أحد الأوائل على المرحلة الابتدائية أو الإعدادية فلننشر لاسمه التكريم ، لكن هل سمعتم و لو لمرة واحدة عن أي محاولات جادة فعليا لمعرفة مواهب الأفراد و قدراتهم ؟! ، و أي قدرة على استخلاص المواهب " الفنية التقنية " مثلا في تلك الأعمار الصغيرة لرعايتها و تطويرها ؟! ،
و لماذا تكون المحاولات عبارة عن " مواد بدرجات " طبقا لهذا النظام الذي لا ينفع سوى أصحاب العقليات البحثية و فقط ، أما أصحاب العقليات التقنية فلا يدعمهم النظام ، أصحاب العقليات الفنية المرتبطة بالفن فلا يدعمهم النظام ، حتى أصحاب العقليات العلمية فلا يدعمهم النظام و لكن يريد أن يرى منهم فقط الدرجات و لا شئ آخر سوى الدرجات .
إننا في كل لحظة نعيشها نخسر قدرات و كفاءات بشرية بسبب رغباتنا العميقة في التنميط ، و النابعة من ثقافتنا و بيئتنا الفاشلة بطبيعتها كما نعهد ، ثم تجد من الغريب في الأمر قول بعضهم بأن هذا الشباب عاطل و فاسد ، رغم أن البيئة و النظام لم تتمكنا من تهيئة الأجواء السليمة لهم منذ بداية نعومة أظافرهم ، و لم تتمكن أصلا من فهم مميزاتهم المتعددة و استثمارها و الوقوف مع كل نفس بشرية منها يدا بيد ، فكيف بعد ذلك تطالبونهم بالصلاح و قد كنتم و مازلتم فاسدون و تدعمون فساد البيئة بتبنيكم أفكارها و أنماطها ؟! ، و إنه لمن الغريب أيضا أن تجد التركيز على مطالبتك بالعطاء و العمل الخيري ، رغم أنك في الحقيقة قد كنت - و ما زلت حتى لحظاتك الحالية - تستحق الاهتمام و الدعم من نفس ذات البيئة و النظام ، في تسلسل منطقي من أجل استنزاف طاقات و موارد البشر و إهدارها بالعمل في غير مواقعها و دغدغة عواطفها الساذجة .
.......
في خضم هذه الطرق المحددة الملامح ظاهريا ، الكابتة لتفردات الذات باطنيا ، فقد نشأت بذور القصص التراجيدية و التي تجزم بضرورة وجود الموت قبل الحياة ، و الفشل قبل أي نجاح - إن وجد أصلا - ، و من الواضح أنه لولا أن الله قد أقر بضرورة وجود شئ من الرحمة في الحياة ، لما تمكن أي شخص يمتلك " رؤية تستحق أن توجد " من البقاء حيا حتى اللحظة بتوجهاته نابضا برؤاه و أعماله و فكره ، و لكن من الواضح أيضا - بشكل كمي - أن تلك الرحمة ليست كافية ، أو أن نتائجها مؤجلة لأجل غير مسمى - غالبا ما نسميه الآخرة - و هذا ما يجعلنا نعود لنفس الدائرة ، ألا و هي فقر البيئة و فشلها .
فكبت تفردات الذات يولد حقدا في الأغلب و انحرافاً في الأخلاق و السلوك ليس بأعجب مما علمنا و ما لم نعلم ، أو طاقات مستعرة من الرغبة في العمل أو الهدم و لكن غير موجهة بشكل رشيد فتذهب للهدر و الضياع ثم الانصياع الرتيب التدريجي لمعطيات البيئة القوية على الذات الفاشلة في المجموع ، كما نجد إلهاباً لحماسة الشباب و ليس توجيهاً لهم لمناطق عملية و تدريبية أرقى و أعلى و أحسن لهم ، فيكون الطريق الطبيعي لهم هو طريق " الطيبون الضعفاء " .
.........
لا ننسى بأنه مع الوقت تنكشف بعض الستائر عما كانت تخفيه و تغطيه ، و ذلك الانكشاف يكون في الأغلب بسبب زيادة الاضطرابات في العناصر الخارجية للحياة ، أو بسبب رغبة جامحة ذاتية في المعرفة أو الحرية أو كليهما ، أو لعوامل قدرية هدفها إعلامك بانهيارك و ضعفك من داخلك قبل ما هو خارجك ، فها هو الكبير يحتقرك حينما يرى صغر سنك ، و ها هم الضباط الذين نرى فيهم الصالح و الطالح - ليسوا سواء - ، و ها هو الوطن ليس برائع كما كان يُقَال لنا بل هو مليء بالمصائب و الفساد و بعض من الصالحين أصحاب التأثير المحدود غير المجدي و غير المنطقي ، و ها هي الأحلام لا تتحقق بل تزداد قيود المعيشة و غلاء سعر الحياة حتى أصبحت حياة الذات رخيصة مرهونة بما هو خارجها و تعيش في عبودية ما هو خارجها ، فالذات قد تم استعبادها منذ أن وُلِدَت ، مُثبِتَةً بالنفي للمقولة المنسوبة لعمر بن الخطاب و القائلة " كيف استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " ، بل إننا لنكاد نجزم بأن الشعور بالحرية لا يعدو مجرد شعور واهم ، فنحن عبيد منذ أن ولدنا لعوامل أعمتنا عن حالاتنا المنغمسة في العبودية ، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر .
.........
إن أقرب الطرق للراحة و السعادة في ظل هذا النوع من " البيئات الفاشلة " هو اليأس - و إن كان مؤقتا - ، فاليأس مثل العملية الجراحية أو العلاج ، مؤلم في البداية لكنه مفيد للصحة العقلية و الذهنية فيما بعد ، فبعد تخليك عن أحلامك السابقة و التي كانت و مازالت تؤرقك ستشعر براحة جميلة ، بالطبع قبل ذلك ستأتيك أعراض انسحاب و محاولات لتلك الأحلام المسكينة من أن تعود لامتلاك عرش وجدانك ، لكن يأسك المنطقي و خبرتك بعدم جدوى تلك الأحلام كفيلان بإنقاص ذلك الشعور المنغص بالاندفاع القديم ، فالعالم صعب ، و الخيارات محدودة و إجبارية ، و العمر محدود ، و قدراتنا محدودة أيضا ، و حواسنا قابلة للخداع ، فلماذا نرتكب نفس الجريمة الطبيعية و نقبل بخداع حواسنا من خلال حفنة من الأحلام مستحيلة التحقيق ؟! ، لماذا لا تتطور الظبيان الصغيرة في طرقها للهرب من الذئاب و تكون الخسائر في الظبيان صغيرة السن هي الأعلى دوما ؟! ، هل نتطابق نحن مع الظبيان في عدم تمكننا من تحسين حالاتنا و تكرارنا لارتكاب نفس الجريمة الطبيعية ؟!!.
..................
Enjoy
.......
seeking 4 the best
جميلة والله يا هندسة
ReplyDeleteلكن اي حاجة كبيرة بتبتدي بحلم صغير
لازم نحلم علشان نسعي ان احنا نحقق الحلم
حتي لو ظهرلنا استحالة تحققه
ماتتكلم عنه ليس اليأس ولكن الواقع
واليأس ليس واقعا
أولا
ReplyDeletethanks
ع التشجيع ،
ثانيا ، من حقك إنك تعتبر كلمة اليأس = كلمة الواقع ، القصة مرتبطة بلغتك الداخلية بالأساس ، و مش لازم الطريقة اللي انا بفهم بيها تكون بالظبط نفس الطريقة اللي انت بتفهم بيها ، فكر بالطريقة المناسبة " سواء بالحلم أو بالكلام أو بالتحركات " ، و اعمل اللي تحس و تتأكد إنه هوة الأقرب للصواب ، مع ضرورة ال
check
الدايم من أجل ضمان جودة العمل و ضمان تدفق المعلومات عنه
حلوة check طبيعة الشغل بقي
ReplyDeleteههههههههههههههههههههههه
عموما كلامك صحيح
واسلوبك رائع
والاحساس ده بيعتمد ع الحالة النفسية في الاساس
وشكرا
متشكر كتير :)
ReplyDelete