التحرر كأداة لاختراق العقليات

في المقالة الماضية كنت قد تحدثت عن الأثر الخطير للعقيدة بكونها أحد الثغرات التي تتيح لغيرك القدرة على اختراقك ، و قد سهونا - رغم طول المقالة - عن أحد أهم الاحتمالات الغريبة ، و هو أن العقيدة قد تجعل صاحبها راغبا منك في نفاقه ، فهو لا يريد أن يرى و يسمع منك سوى ما يتوافق مع عقيدته ، فإذا لم تُرِدْ نفاقه - الناتج عن هواه و ارتباطه القلبي المتعصب لتلك العقيدة - و عرضت له ما ترى ، و كان ما ترى لا يتفق مع نفس ذات العقيدة ، فإن رد فعله سيكون النفور منك و إيذائك و لو برد فعل غير محبب - مش لطيف بالبلدي - ، و قد يتطور الموضوع لقتالك و التشكيك في نزاهتك .
و سوف نتكلم هنا عن إحدى الحالات " العَقَدِيَة " التي قد لا ترد مباشرة على الذهن حين ذكر كلمة " العقيدة " ، ألا و هو " التحرر " ، فمن السائد في أذهاننا أنه عند ذكر كلمة " عقيدة " في أي مجلس فإننا نعني بها " المعتقد الديني " ، رغم أن العقيدة - و التي أصلها في اللغة يعود إلى كلمة " عقدة " و المقصود بها العقدة المتينة غير القابلة للفكاك بسهولة - تعني الجو الفكري الكامل الذي يؤمن به الشخص .
......
ترى ماذا نقصد هنا " بالتحرر " ؟ ، نحن هنا نقصد حالة " الفكاك " الرهيبة التي تصيب الذات البشرية ، فثقافتك تكون متزمتة ، و دينك يفرض عليك قيودا كثيرة ، و قد تضيق ذرعا بكل هذا التقييد و التكلف ، و لأنك كائن بشري طبيعي و غير مدرب كثيرا على اتخاذ القرارات ، فإن سلوكك المحتمل سيكون أقرب لأن يكون رد فعل ، هذا الرد فعل سيكون معتمدا على أبسط function لا تأخذ جهدا للوصول و الاهتداء إليها ، ألا و هي دالة ال inverse أو the inverse function . ببساطة ، ستكون قريبا لترك دينك ، و ستتعامل مع ثقافتك على أنها شئ متخلف لا يستحق أن يستقر في وجدانك ، العجيب في الأمر أن هذا يمثل القسم الأكبر من الطريق الأصح ، و في خضم نجاحك و تمكنك من الانسلاخ من تلك القيود الغير مفيدة ، ستقابلك الخدعة التالية ، خدعة الملذات بعد اشتياق ، ثم خدعة دعم كل ما يمكن وصفه " بالشذوذ " ، ثم الانسياق في جوِ من ثقافة أخرى قد صممت خصيصا لاستيعاب هؤلاء " المهاجرين الثقافيين " - إن جاز التعبير - .
إنني لأكاد أجزم بأن هذا الجو الثقافي - المصمم مسبقا لاستيعابك كمهاجر ثقافي - يتماثل من حيث درجات العصبية مع نظيره الراديكالي - ذو المسحة الشرقية و المرتبط غالبا بالإسلام كمظهر - ، بل إنه قد يحتوي على نفس ذات الخصائص المدمرة التي وُجِدَت في ثقافتك الأولى و دينك الأول ، فببساطة ستجد فيها تلك الحالة البائسة ممن يريدك أن تنافقه ، فهو لا يريد أن يسمع منك سوى ما يتوافق مع " عقيدته " ، فإذا لم تُرِدْ نفاقه - الناتج بطبيعة الحال عن هواه و ارتباطه القلبي المتعصب لتلك " العقيدة الثانية " - و عرضت له ما ترى ، و كان ما ترى لا يتوافق مع نفس ذات " العقيدة الثانية " ، فإن رد فعله سيكون النفور منك و إيذائك و لو برد فعل غير محبب - مش لطيف بالبلدي برده - ، و قد يتطور الموضوع أيضا لقتالك و التشكيك في نزاهتك .
إن أبسط تعبير يمكن به شرح ما سبق أعلاه هو ، أن العنف لا يولد إلا العنف ، و أن العصبية و التزمت لا تولد إلا عصبيات و تزمت أيضا ، قد تختلف المظاهر ، فأحدهم يلبس الجلباب و تارك للحيته و تتبدى على وجهه علامات التحفز لقتال ما ، و الآخر لابس لبدلة أوروبية أو لملابس كاجوال ، حالقا لحيته أو آخذا بأي style ، و تتبدى على وجهه أيضا علامات التحفز لقتال ما .
و سننتقل لأحد جوانب التحرر الحرجة و هو " إباحة الملذات " ، فمن المعلوم أن إباحة الملذات تعني إباحة النمط الاستهلاكي و الرغبة في الاستهلاك ، و لإننا كبشر نريد دوما الشعور بالأمان ، فإننا سنكون مضطرين للعمل كثيرا من أجل كسب مادي وفير يمكنك من شراء و أخذ ما تحتاج من ملذات مع وجود فائض أيضا - إن أمكن - ، و ستجد نفسك هنا قد قمت ببذل مجهود مرتين ، المرة الأولى حين عملك حتى تحصل على الكسب المادي ، و المرة الثانية حين استمتاعك باللذة ، فالطعام مثلا يحتاج لمجهود حين هضمه ، و الملاهي تستنزف طاقات جسمك في القفز و النشوة بالألحان و الألعاب ، و قس على ذلك ، و من هنا ستجد نفسك - على المستوى الشخصي - تقوم ببذل مجهودات كبيرة تقوم بدورها بإجهاد عقلك و جسدك ، و قد تصل حدود الإجهاد لدرجات عالية جدا ، لكن " الثقافة الثانية " - إن جاز تسميتها بذلك - من أهم افتراضاتها هو أنه لا حدود لإباحة الملذات ، أضف لذلك اشتياقك المسبق لنفس ذات الملذات و عمليات تجميلها و تزيينها أمامك و تحفيزك على استهلاكها و الذي سيدفعك للنهم فيها ، و ستجد نفسك تقوم بإجهاد نفسك كثيرا و قد تزيد درجة الإجهادات عن الحدود الصحية الملائمة لك .
أضف لذلك أيضا أن " مصادر اللذة " تمتلك مقدرة سحرية على إضعاف منطقة ال critical thinking ، فهي تتماثل مع " العقيدة " - بل و أحيانا قد تفوقها - من حيث القدرة على إضعاف و إيقاف ال critical thinking function بل و الاستيلاء عليها و تسخيرها لمصالحهما ،
أيضا ستجد حالات من بشر قد تجمعت فيهم استيلاء كل من " مصادر اللذة " و " العقيدة " على منطقة ال critical thinking ، فترى أن حالته مركبة و صعبة من حيث التصنيف و التحديد .
ستجد أيضا خدعة الاغترار بالعقل ، و هو ليس عقلا بالمعنى الأصلي للعقل ، بل هو صورة نمطية اصطناعية عن العقل يتم تصوريها و تزيينها لك ، و تتم عليك عملية زراعة الأفكار المنتمية لنفس ذات النمط أو الصورة النمطية ، حتى و إن لم تتوافق بشكل كامل مع طبيعتك الذاتية .
قد نكون مضطرين هنا لسك مصطلح " العقل الذاتي " ، و هو يعني ذلك الجهاز الإدراكي العملي الفاعل المتفاعل المعتمد على الفكر و الدافع للفعل و الذي ميز الله كل شخص به ، و ذلك ستلاحظه ببساطة من اختلاف طرق تفكير و تعبير الأشخاص فيما بينهم ، فترى لكل شخص بصمته الخاصة حينما يرسم لك أو لنفسه أو لشخص أو مجموعة ما أفكاره و رؤاه ، و تجد كل شخص لديه طريقته في انتقاء المعلومات من ال external world ، هذا على الرغم من أن نفس ذات العقل من الممكن ميكنته حين اختراقه و زرع أفكار نمطية فيه ، فالعقل البشري يتحول هنا لمجرد آلة بيولوجية و بشرية حينما يتم تنميطه ، حتى أنه لمن الغريب تمكنك في بعض الأحيان من توقع سلوك أشخاص ما اعتمادا على تلك الخاصية الآلية .
و يأتي السؤال ، لماذا بعد تمكن " الضحية " من اتخاذ الخطوة السليمة بتركها لثقافتها المعطوبة الأولى ، تم الإيقاع بها في فخ " الثقافة الثانية " ؟
أولا علينا أن نتفق على أن تلك " الثقافة الثانية " أقوى و أكثر تطورا من الثقافة الأولى الاعتيادية و الواسعة الانتشار ، فما هو سبب قوتها ؟ ،
تتسم تلك " الثقافة الثانية " بحنين حميم مع العلمانية الشاملة - و هي نتاج فلسفات متطورة بالأصل - ، و التي قد تحدث عنها المفكر عبد الوهاب المسيري باستفاضة في كتابه " العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة " ، حيث تدور أفكار تلك الثقافة حول عالم المحسوسات و الاتجاه نحو جعل الطبيعة و الذات كعبتان ندور حولهما ، و تتم إهدار قدسية ما دونهما ، فلا قدسية و لا عقيدة إلا لما التف حول المادة و الطبيعة و المحسوس في الملكوت و في داخل الذات ، و في تفاعلات الملكوت مع الذات .
إهدار القدسية و الشعور بنشوة الانتصار على أفكار " العقيدة الأولى " المعطوبة يخدر ال critical thinking zone ، فبالتالي فالذي سيقوم بنفاق ذلك العقل - المنهك من صراع سابق مع " عقيدته الأولى " و المخدر بسبب نشوة النصر - و يصور له بأنه سيدعم استمرار انتصاره سيكون هو الرابح بتذكرة اختراق هذا المسكين . إذا فقد وصلنا لأن نشوة النصر على الأفكار الضارة قد تتحول إلى ثغرة مفتوحة .
و أيضا لا ننسي القدرة المذهلة للمغريات المادية على إضعاف ال critical thinking zone ، و هذا ما قمنا بتوضيحه أعلاه بالنسبة " لمصادر اللذة " و فكرة " إباحة الملذات " .
........
الخلاصة : تنتشر أدوات الاختراق ، و تزداد تطورا من ثقافة لثقافة ، فتراها - مثلا - ساذجة نسبيا في الثقافة العربية بسبب ضعف تدريب عقليات أهلها ، لكنها تزداد تطورا في الثقافات الغربية التي تمكنت و بنجاح ساحق من اختراقنا و من اختراق أهل نفس تلك الثقافة الغربية ، فما يجري من قواعد الاختراق و استزراع الأفكار و الشد و الجذب إنما هو نتاج تفاعل كل تلك عمليات الاستزراع الفكري و استخدام نقاط الضعف البشرية من انجذاب للملذات و لل models أصحاب الأشكال المتناسقة و لأحلام الحياة الرغدة و السعادة الأثيرة و قصص التفاؤل و الأمل و الرغبة في رضا الإله و كل ما هو على تلك الشاكلة من ألعاب ،
فما نسميه حاليا بالتنمية البشرية - مثلا - ملئ باستزراعات فكرية يتم استخدامها على ال public ، ثم يقولون لك بأنها مقولات لعظماء و حكم و فلسفات حياتية مهمة ، و هي في الأصل لا تعدو مجرد مخدرات و ألعاب لعب بعواطف و أفكار ال victims و تكون متبعة لنمط الثقافة الاستهلاكية ، و الدليل على ذلك كثرة " الحِكَم " غير ذات الجدوى الفعلية فيها . و العجيب في الأمر أنك ستجد أفرادا قد تم إشباعهم بالكامل بطريقة التفكير المستنبطة مما نسميه بالتنمية البشرية ، و هذا إنما يدل على كمال اختراق هؤلاء الضحايا .
و لا ننسى أيضا خلافه من علوم النفس و الاجتماع و تكنولوجيا المعلومات و التي تعطي أبوابا و أدوات و احتمالات لمساعدتك - إن قمت بالفعل المناسب - في اختراق من تريد و في استزراع ما تريد من أفكار .
................
Enjoy
.........
seeking 4 the best

..........................
لينك المقالة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/serag.hasouna/posts/480316252076386

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح