العقيدة كأحد الثغرات لاختراق العقليات
دائما ما يتكشف لدينا حالات تستشعر منها بالاستعجاب ، فترى الذي يفعل الشئ الذي نَصِفُه " بالخاطئ " من وراء ستار - سعيا نحو حماية النفس - ، و ترى من يفعله جهارا - سعيا نحو إثبات الوجود للنفس - ، ثم ترى من أحب أن يكون متدينا - سعيا نحو حماية النفس و إثبات الوجود أيضا - ، و تراه قد دخل في mode كهنوتي ملئ بالطقوس و الأفكار و القيود التي تصل إلى حد المشقة ، و لا نفهم كيف يواظب على كل تلك الطقوس الروتينية من صلوات و أذكار و خلافه ، دعونا مثلا نتناول - كمثال - على قضية " غض البصر " و ما نراه من الحديث عن أن هناك من يرتدون ملابس - توصف بالخليعة - و خلافه من الدوران حول نفس تلك الحجة ، و ترى نفس ذلك الشخص " الذي يدعو لغض البصر " ضعيف بالأصل في مجابهة مخلوق آخر مختلف عنه من حيث الجنس و متفق معه من حيث كونهم بشرا يرزقون ، و ترى ذلك الشخص " الغاض لبصره " - أيا كان جنسه ذكرا أم أنثى - يرتعد أمام ذلك الكائن - العادي - الآخر ، تراه خجولا جدا أو حانقا جدا - و هما حالاتان غير صحيتان - ، ذلك و فقط بسبب اختلاف الجنس مع بعض الثياب ، فلم تتم تربيته على أن يتمكن من الحياة في وسط أي جو ، و لم تتم تربيته على الحياة الطبيعية وسط غيره من البشر ممن يتشاركون معه في نفس المدينة أو الحياة المدنية ، مع الوضع في الاعتبار بأن العقيدة هي الدافع الرئيسي وراء ذلك الارتعاد أو الخجل أو الشعور بالحنق " الناتج عن الأمر بغض البصر و ال atmosphere المصنوع تحت نفس الذريعة من مقولات و خطب و مواعظ و خلافه " ، أليس هذا دليلا بسيطا على خلل في قدرة العقيدة على جعل أفرادها يتلائمون على الحياة بشكل طبيعي و صحي ؟!
أيضا فلنتناول قضية " التحميس " - كمثال أيضا - ، ألا يعد التحميس أحد أهم الأدوات لاستنزاف الطاقات البشرية في أعمالٍ من الصراخ و العويل ثم العودة بعد ذلك إلى المنازل حاملين فخر القيام بذلك النشاط " الصوتي المجرد " و فقط ، حتى أنه قد تم تركيب معاني البطولة و الرجولة - ذات النواحي الإيجابية المنحى في الصور الذهنية لأغلبيتنا - بأفعال التحميس ، و ذلك من أجل زيادة درجة اقتناع نفس هؤلاء الأشخاص بنفس أفعالهم ، فتراه يرى بأن فعله " الحماسي " يجعله بطلا و رجلا بحق و يشعره بالفخر ، و يأتي السؤال ، لماذا لا يتم توجيه نفس هؤلاء " ضحايا التحميس " إلى مسارات عملية تعود عليهم بالرزق الوفير و الحياة الرغدة و القدرة على امتلاك الحقوق المشروعة لهم و بمكاسب مستدامة ؟! ، بدلا من تلك السلسلة المتوالية من الخسائر المعتادة و المتكررة عليهم .
و يأتي السؤال الغريب ، ترى ما الذي يجعل تلك العقيدة أحد أسباب السماح لأطراف من ال external world باختراقك بمنتهى البساطة ؟
و يكمن الجواب بسيطا حتى يظهر في قدرة العقيدة على إلغاء خاصية ال critical thinking function و التي يبدأ بها الإنسان حين استقبال معلومة ما ، حتى أن العقيدة لتتمكن من الاستيلاء على ال critical thinking function و جعلها مُسَخَّرَةً لأهداف نفس تلك العقيدة ، و من هنا تكمن الخطورة العالية للعقيدة .
و دعونا نشرح كيف تكون قصة الاختراق .
في البداية تولد أنت ذلك الطفل الصغير الضعيف ، فأنت لا تعرف أغلب الأفكار بالطريقة المطورة إلا من خلال مجموعة خارجية من البشر بالإضافة لاستكشفاتك الفردية - عليك ألّا تنسى في أي المجالات كنت تحب أن تستكشف بنفسك و أنت طفل - ، و يقوم هؤلاء البشر الخارجيون عنك بتزويدك ببعض مما تحتاج للنضوج الفكري الطبيعي ، ألا و هو اللغة و بعض قواعد التفكير المنطقية ، و في نفس ذات الوقت فأغلب من يحيطون بك من البشر ستراهم كانوا مهووسين بفكرة " تعليمك تفريق الصواب من الخطأ " و هنا تبدأ علاقتك الأولى - و قد تكون الأبدية - بانتهاج ال function الخاصة بفكر نظرية الأبعاد في جانبها " الوضوحي " ، و لن يقوموا بإمدادك بأن هناك احتمالا ثالثا قد يجعل النتائج تختلف باختلاف موضع الرصد ، و لن يقوموا بإعلامك بأن هناك أشياء قد لا تتمكن من تحديدها من الوهلة الأولى ، بل ستراهم يعرضون لك الأمور على أنها مسلمات مطلقة لا تقبل الشك - و هنا تظهر النية في الزرع الإجباري للأفكار دون اعتبار الفائدة للضحية موضع الزرع - ، فالعقيدة التي يتم زراعتها في وجدانك أهم من وجودك ، و لو أمرتهم تلك العقيدة بقتلك و قتالك لفعلوا بلا أدنى تردد ، و بذلك ، فالعقيدة هي الأساس الفكري الذي ستبني عليه أفعالك و عصبياتك القادمة .
و بعد عمليات من الشد و الجذب بينك و بين هؤلاء البشر و غيرهم ستترسخ لديك عقيدتهم الخارجية و ستتطبع بطبائعهم سواء شعرت أم لم تشعر ، فهي كمثل الإعلانات التي تتكرر باستمرار و بلا توقف ، حتى يقوم عقلك - بسبب تكرارها المهول - إلى ترجمتها على أنها مُسَلّمات توجد دائما ، فالصلاة - مثلا - و التي يقوم من حولك بإجبارك عليها - سواء بالدعوة لها أو بالإجبار الصريح - تساهم - حتى و إن تكاسلت عنها - في تعميق وجود العقيدة التي تمكنوا على مدى سنين عمرك من زرعها و غرسها داخل عقلك ، و ستجد من الصعب على عقلك أن يقبل حتى بوجود بغيرها - مع كثرة التكرار الدائم أمامك لمظاهرها - ، و مع كثرة الحديث الدائم منهم بأن تلك العقيدة هي الحق المطلق و أن ما يخالفها - بلا نقاش - فهو باطل .
و من هنا ، فقد تمكن بعض من فطن لتلك الثغرات من الاستغلال لها من أجل أن تقوم بتسهيل مهامه عليه ، و ما الانتخابات و المشاعر الوطنية أو الدينية إلا أدلة دامغة على هذا الاختراق العام ، فإذا وجدت بأن تلك المشاعر الوطنية و تلك الانتخابات و تلك المشاعر الوطنية و الدينية غير ذات جدوى لشخصك و ذاتك و نفسك ، ثم ظهرت منك بوادر اعتراض عليها و على تأثيرها عليك ، فستجد الرد عليك و الثقافة يصفانك بأنك سفيه أو مغيب أو سلبي أو صاحب شطط ، و ذلك في محاولة لاستدعاء جميع المُختَرَقِين حتى يتحفزوا للإجهاز عليك و تجميعهم لحصارك بأعدادهم و دعم الثقافة و المجتمع لهم تطبيقا لمبدأ " تعالى قدام بيتنا " . فانظر كيف تم تصميم الثقافة الجمعية لتنميطك أو القضاء عليك و ذلك باستخدام العقيدة و قدرتها على محو ال critical thinking function في عقل الضحية و السيطرة عليها كليا ، و لأن كفة العدد و القوة ليست في مصلحتك بل في مصلحة ذلك المجموع المُختَرَق - كمجموع و ليس كأفراد - فإنه سيكون محتوم عليك - حينئذ - الخسارة و هجرة تلك الأرض في أقرب فرصة أو الموت البطئ أو أن تقوم بفعل الاختراق الإيجابي the ethical hacking لكي تساهم في تحسين أرضك و بيئتك في حال عدم قدرتك على الهجرة .
............
لقد ظللت أبحث عن هؤلاء الذين قاموا باختراقي فكريا و زرعوا في ذهني أفكارهم و فلسفاتهم ، فوجدت أن البحث عنهم متعب و غير ذو جدوى فهم كثيرون و قد تمت زراعة نفس ذات تلك الأفكار فيهم أيضا ، فهم أيضا ضحايا يساهمون في الإيقاع بضحايا آخرين - و غالبا ما تكون تلك العمليات الاختراقية من طرف هؤلاء الضحايا عليك ناتجة عن حسن نية منهم - ، و قد وجدت أنه لن يصدق كثير منهم أنهم قد تم اختراقهم بمفعول ناجح ، لتثبت سخرية القدر بأن المقولة التي تهكمنا عليها و استهزأنا بها و بكاتبها و التي تحوي كلمة " مخطوفين ذهنيا " صحيحة من حيث المبدأ ، و لتثبت نفس السخرية القدرية ضعف أنظمة حمايتنا الفكرية و ذلك بسبب اعتقادنا بأن أنظمتنا الفكرية " آمنة و الحمد لله " . و يالفرحة من يريد أن يخترقك حينما يستشعر منك شعورك بالأمان ، فذلك يعني له الضوء الأخضر للتحرك بسعي أكبر نحو اختراقك لأن الفرصة قد سنحت ، بل و يال حسن حظه ، فقد ساهمت في إبراز أكثر نقاطك الضعيفة له ، ألا و هي العقيدة .
.........
هاهنا نجد أنفسنا أمام مفترق طرق ، فإذا كانت العقيدة هي أحد أكبر و أضعف و أبرز ثغراتنا و نقاط ضعفنا التي تسمح باختراقنا ، فماذا علينا أن نفعل من أجل إعادة الأمور - و قد تكون لأول مرة في حياتنا - إلى نصابها السليم ؟ ، أحد تلك الاتجاهات للحل يكمن في ضرورة تنقية الذات من كل تلك الشوائب السابقة الناتجة عن عمليات الاختراق التي تمت سابقا ، و لابد من إعادة النظر في الأفكار السابقة و نقدها حتى اختيار الصالح منها فقط و القيام بعمليات إعادة التأهيل لكل ما يصلح استخدامه منها و التخلص من الضار على النفس و الذات - فعليا و ليس ما تقوله لنا عقائدنا التي تمت زراعتها فينا - ، فتوقع ببساطة من أن عقيدتك الداخلية - الناتجة عن عمليات زراعة أفكار تمت عليك - ستقوم برد فعلها الانسحابي عليك لتمنعك عن القيام بعملية إعادة النظر و تنقية الذات . و أيضا يتحتم عليك تكوين أرشيف لمعرفة الأفكار المدمرة و المزروعة مسبقا فينا ، و البحث عن تلك الأفكار المزروعة مسبقا - سواء في شخصك أم في أشخاص من حولك - من أجل نقدها و تعديلها ، أيضا لابد لنا أن نتفهم ما ميز الله به كل فرد و ذات منا ، و ما حباها من خصال مميزة ، تحتم على صاحبها اتخاذ ما يتوافق معها و فقط ، فليس ما ينفع غيرك هو بنافع لك بالضرورة - إلا إذا كان ماءاً جيدا مثلا - ، كالدواء ، فهو نافع للبعض حين مرضهم لكنه ليس بنافع للأصحاء .
.............
و ككلمة أخيرة : إن العقيدة ليست هي فقط الدين ، فهي تتجاوزه لتصل إلى ثقافة البشر في ما شاع فيهم و عم في أنماطهم و أفعالهم ، فالعقيدة العليا هي الرأس المدبر الذي يخترق العقول ليجعلها تسير نحو اتجاهاته المهندسة مسبقا ، سواء أكانت تقوم لمنفعة معتنقيها أم لا ، و في سبيل ذلك تقوم بخداعهم على أنها مفيدة دوما لهم رغم أنها لا تكون دوما مفيدة ، بل مجرد أداة تسكين و تكبيل لكل نفس ، و العقيدة هي كيان عام ، لا يلائم كل الجميع ، بل يلائم الحياة النمطية المعهودة لبعض الجميع ، هؤلاء الذين رغبوا في التضحية بدرجة من حريتهم الداخلية في مقابل بعض الأمان - كرد فعل بيوسيكولوجي سوسيولوجي - ثم تتمكن العقيدة بفعل قوة سيطرتها من توجيه من سيطرت عليهم نحو مسارات قد تؤدي لهلاكهم ، و ستتعجب لفرحتهم و سعيهم نحو هذا الهلاك كدلالة على عظمة قوة و قدرة العقيدة ، و على أنها أحد الأدوات الأقوى في الاختراق الفكري .
..................... ...................
Enjoy......
seeking 4 the best
Comments
Post a Comment