إنه لمن الجدير بالذكر أننا نعيش على ما نعشق أو بالأحرى على ما أدمننا عشقه ، فنحن عشقنا الأحلام حتى جعلناها شيئا رئيسياً و مشاعريا حميما فصدقناها ، و عشقنا الأنغام حتى التففنا حولها مهللين ، حتى و إن زادت بها درجة التلحين و الموسيقى أو قلت و خفتت ، أو حتى إذا ما أبقينا فقط على تلك الأصوات البشرية العذبة الآسرة ، لكننا لم نترك إطلاقا سماع تلك الأنغام و لم يتم تركها إلا لجفاء في النفس أو لانشغال أو لقدرة على تملكها و الابتعاد بها عن ذلك الضَرْب من الإدمان و العشق ..
فالعشق أحد المحركات النقية للتصرفات و التوقعات و النظرات و الإدراك الانعكاسي ، و يعني " الإدراك الانعكاسي " أنك ترى الشئ على الصورة التي تراها بها نفسك من خلال ملء بعض الفراغات بعناصر خالصة من ذاتك ، فأنت ترى السمكة رائعة لِلَمعان لون جلدها الفضي و الملون - رغم أنها مجرد سمكة - ، و ترى نفسك لبقا حينما تتحدث مع ذلك الغريب ، و ترى تلك الحوراء أجمل ما في الوجود و إن كانت لا تعبأ بك بل و تراك مجنونا يستحق الاستغلال ;) و ترين الحناء من أهم مظاهر الجمال و الافتخار و إن لم تكن سوى بعض المواد التي تلون الجلد بذلك اللون و لمدة محدودة .
لكن ما دخل السياسة بالعشق ؟! ، أليس من الأولى بنا أن نلعب بعيدا عن هذا المضمار المتقلب و نستمر في الخوض في كشف ما ينطوي عليه العشق من جمال و لذة و افتخار و روعة ؟! ، لكننا نسينا بأن أحد أقوى صور العشق المعاصرة هو أن أتمكن من جَعْلِكَ عاشقا لما أريد و خاصة إذا كان ذلك المعشوق يبدو أنه بسيط ، هنا أكون قد تمكنت فعلا من جوهر العشق ال external لك و هنا تكمن دقة و روعة السياسة ..
فالسياسة يقال عنها أنها " فن الممكن " كما أنه يقال عنها أيضا أنها " مهنة من لا مهنة له " و لكن هل هذا فقط هو من الأسباب البسيطة لعشقنا لتلك السياسة ؟! - حتى و إن كنا كل يوم نلعنها لما لها من نتائج مدمرة دائمة - ..
يمكننا القول بأن ذلك جزئيا قريب من الصحة ، فَمَن أفضل من ذلك الشخص الذي يجلب لك الربح و أفضل النتائج بالمساومة ؟ ، و مَن أفضل مِن ذلك القادر على إقناعك بأنك لابد أن تفوِّضَ جماعته و حزبه من أجل تنمية حياتك المحيطة " الوهمية الصنع الحقيقية الوجود على ما يبدو " ؟ ، و مَن أفضل مِن هؤلاء الذين يلعبون للسيطرة و البقاء على " صنابير " و " منابع " الأمور من خلال تلك المناصب التي تم إنشائها بُناءً على نظريات مستوردة من الخارج ؟ ، و من أفضل من ذلك " المناضل " الذي يكسب صورته و سمعة حياته من الوقوف في وجه " متعهدي " تلك الصنابير بالمقولات الصحيحة و الخاطئة المعتادة عن " الفساد " ؟ ، من أفضل من هؤلاء الذين يمكن أن نعتبرهم " أصوات المجتمع " الذين لابد و لابد أن ننفق من طاقاتنا و أموالنا و قدراتنا العقلية في أعمارنا المحدودة عليهم بأشكال مباشرة و غير مباشرة ؟ ، لماذا نحتاج لأصوات رغم انتشار التكنولوجيا التي يمكنها أن تقوم بتقصير المسافة أقصر مما نتخيل ؟ - لقد نسيت أننا لا نملك التكنولوجيا أو حاليا الوعي بها - ..
لقد عشقنا هذا " المناضل " ضد " الفساد " ، لقد وقعنا في غرام ما أسميناه بالحرية و كراهية ما أسميناه بالاستعباد حتى أصبحنا عبيدا لتلك الحرية و حتى جعلنا سقف خيالنا هو تلك الحرية - رغم أنها حق ابتدائي يُفهَمُ بالبداهة - ، لقد عشقنا هذا النضال و عشقنا تلك القيم و عشقنا تلك المسميات و تلك الأفعال و تلك الإرهاصات ، لقد استعبدتنا تلك الأحلام و أوقعنا أنفسنا في ما يسميه الآخرون بالأوهام ، لقد انحزنا للقضية و أصبحنا مطمع لهذه البَرْيَّة فأصبحنا جنودا لهذه الأصوات الفَتيَّة و تمت عملية الاحتلال بنجاح .
لهذا كله فقد عشقنا السياسيين و نحن نكرههم ، فقد أنفقنا قدراتنا العقلية عليهم و انغمسنا في أفعالهم و انحزنا لآرائهم بالموافقة أو الرفض - فكل فعل منهما هو انحياز لطريقتهم المعتمدة على نظريات شبه عقلانية سابقة أثبتت فشلها و ما زلنا لا ننكفئ عن ممارستها يوميا - ، ثم نظل نحصد نفس الخسائر ثم نظل نتسائل عن السبب و لا نعلم بأننا نكرر نفس ما كنا نكرره من أفعال و مواقف و آراء و أنماط دون أدنى ... - لا أعلم فنحن قد " نتدبر " و نحن منغمسون في الفخ ، و " نتدبر " كما تمت هندستنا و إرشادنا على كيفية التدبر - ...
لماذا لا يتسائل أحدنا عن سر دخول الاهتمام بالسياسة في الجامعات - قبل التوسع لاحقا للمدارس و البيوت - ؟ ، ألا يحتاج السياسي إلى مصادر دخله فيبحث عن هؤلاء الجنود الشباب معتمدا على ضعف الخبرة و غباء التربية و على تلك القيم و النظريات المستوردة السابقة ، لماذا تستمر تلك الإمكانات البشرية التي تستحق حياة أفضل في الوقوع في نفس ذات الأفخاخ ؟ أم أنها نظرية " الحياة الفأرانية " حيث تأكل الفأران بعضها البعض حين الجوع و القحط و قلة الموارد - و لكن طريقتنا البشرية تبدو لطيفة و معقدة و متطورة أكثر - ؟ ، أم أنها طريقة لجعلنا نعيش في مزارع مُهَندَسَة بنجاح من أجل توجيهنا نحو مسارات أيديولوجية تقوم بتسهيل عمليات البيدقة و الاستغلال بنجاح ؟! ، يبدو أن ذلك يثبت - تقريبا - صحة المقولة القائلة بأن : " انحيازك للأيديولوجيا وحدها يعني الفقر أما انحيازك للتكنولوجيا و المعرفة فيعني سبيلا نسبيا للهرب من ذلك الفخ " .
لن أقول " اتقوا الله في أبنائنا " و مثل هذا الكلام عاطفي المنحى و المحفوظ فالخطأ ليس بالكامل واقع على عاتقكم بل هو يكمن في استمرار الإدمان على هذا العشق الذي هو أصيل في كل ضحية منَّا تقريبا ، فكل ضحية تعشق أن تكون حرة و تعشق الأحلام بحياة أفضل ، الخطأ يقع على نفوسنا الطيبة التي لا ترغب مطلقا في تحديث نسخة طيبتها حتى تتمكن من تطوير حياتها بنفسها و نقلها للأفضل ، الخطأ يكمن في اعتمادنا على الاستيراد و عدم التحديث لما نملكه من قيم و منظورات لإدراك هذا العالم ، الخطأ يكمن في كسلنا و قناعتنا بما نقتنع به و نعتقد فيه فعلا ، الخطأ يكمن في عصبياتنا المستمرة و عدم الرغبة في إدراك أن استمرارنا فيما نعتقده يعني استمرارنا في حصد الخسائر نحن ثم أبناؤنا من بعدنا ، الخطأ يكمن في استمرارنا كما نحن ، الخطأ يكمن في إيماننا بأن ال impulsive ways هي التي ستساهم بالضرورة في تحقيق ما نرغب من نتائج ، الخطأ يكمن في عدم معرفتنا و رغبتنا في التعرف على أنفسنا و دراستها جيدا ، الخطأ بأغلبه يكمن فينا و نحن لا نشعر لأن الخلل كامن في عميق أدوات إدراكنا التي نستخدمها و ما زلنا نعتمد على " التعود " في استخدامها ، الخطأ يكمن فيما نعشق حتى أصبح ما نعشق ثيمةً محفوظة قابلة للاستغلال على الدوام .
و لذلك و قبل الشروع و البدء في تصحيح هذه الأخطاء فلابد من وقفة احترام لكل هؤلاء ال cheaters الذين ساهموا و مازالوا يساهمون دوما في إخبارنا - بأفعالهم - بكم نحن ضعفاء و بائسون و لدينا من الثروة داخل ذواتنا حتى نتجه نحو استغلالها بأنفسنا بدلا من تركها غنيمة لغيرنا .
.............................
Enjoy
....
seeking 4 the best
Comments
Post a Comment