الإيمان والاعتقاد والاقتناع واللعب

مقدمة:-

يمكننا تقسيم اتجاهات استقاء المعرفة إلى توجهين رئيسيين
(1) من أعلى لأسفل (الاتجاه المتعالي): أي من التصور العام إلى التفاصيل الناتجة عنه.
(2) من أسفل لأعلى (الاتجاه التصاعدي): أي من التفاصيل الموجودة إلى التصور العام.
يمكننا إسقاط فكرة الSpace and Time Complexity الخاصة بخواريزميات الحواسيب على الأُطُر والنتائج المعرفية القائمة، فستجدنا، على سبيل المثال، نميل إلى تكون أُطُرُنَا المعرفية مكونة (وبنسبة 100% معظم الأحيان) من عناصر ذات الاتجاه المتعالي، وذلك لأن مقدار المعلومات الأولية التي سيبدأ بها الإطار المعرفي سيكون أقل ما يمكن، ولأن زيادة التفاصيل الموجودة في الإطار المعرفي في الوقت المعين (Knowledge Volume per "timely" period) سيؤدي إلى زيادة الزمن المطلوب لمعالجة تلك المعلومات.

____________

الإيمان والكمال والإكمال والاكتمال:-

دوماً ما نرى ذلك الإدعاء المشهور بأن المعرفة الإنسانية ناقصة، أو أن العقل البشري ناقص، ولذلك فإنه لابد لنا أن نستقي أساس معرفتنا من مصدرٍ متعالٍ عنا، وذلك الاستقاء المباشر لابد أن يكون طويل المدى، ومن هنا ينشأ التبرير للإيمان بما يعطيه لنا ذلك المصدر المتعالي.
دعونا ننظر للأمر كالتالي:-
نحن نبحث عن إكمالٍ لمعرفةٍ ناقصة، وأيضا نحن نريد أن يكون حجم البناء المعرفي الناتج أقل ما يمكن، ونحن نبحث عن أن تكون الإجابة متسقة في ذاتها متوافقة مع ما تخبرنا به، وأيضا نحن نريد تقليل الجهد والزمن المبذول للوصول للنتيجة المرجوة، فتكون الخطوات وفقاً للاتجاه التصاعدي كالتالي:-
1- جمع مشاهدات عشوائية ضمن إطار الموضوع محل الاهتمام، إما بالتجربة ورصد نتائجها أو بالرصد المباشر لأحداث تقع طبيعيا ضمن دائرة الموضوع.
2- استقراء مجموعة من القواعد أو العبارات تتماشى مع ما تعرضه تلك المشاهدات.
3- جمع مشاهدات عشوائية أخرى، أو تقسيم المشاهدات السابقة في الخطوة رقم 1 إلى جزء نطبق عليه عملية استقراء القواعد وجزء آخر لا نطبق عليه الاستقراء.
4- مقارنة النتائج التي تخرج من القواعد مع العينة العشوائية الأخرى أو الجزء الآخر الذي لم نستقرئ منه شيء.
5- إذا ما تقاربت نتائج توقع تلك القواعد مع تلك العينة العشوائية الأخرى، يتم قبول تلك المجموعة من القواعد.

أما وفقاً للاتجاه المتعالي فإن الخطوات تكون كالتالي:-
1- إحضار مجموعة من النماذج المعرفية ذات الاتجاه المتعالي.
2- مقارنة درجة اتساق كل نموذج من تلك النماذج ببعضها البعض.
علماً بأن تعريف "درجة الاتساق" هو ((المعكوس الضربي لمجموع عدد التناقضات وفجوات التفسير التي يحتوي عليها النموذج المعرفي))
3- اختيار النموذج الأكثر اتساقاً.
4- جمع مشاهدات عشوائية، ومقارنة نتائج تلك المشاهدات بالنموذج الأكثر اتساقاً.


ولنضع بعضاً من الإدعاءات
إدعاء رقم 1: الاتجاه الأقل في بذل الجهد يكون تصاعدياً في حال كان عدد النماذج المعرفية المتوافرة الأكثر اتساقاً مقارنة بأكبر حجم ممكن للعينة العشوائية أقل ما يمكن.
إدعاء رقم 2: الاتجاه الأقل في بذل الجهد يكون متعالياً في حال كان عدد النماذج المعرفية المتوافرة الأكثر تناسقاً مقارنة بأكبر حجم ممكن للعينة العشوائية أكبر ما يمكن.
تعريف: درجة التوافق (compatibility) للنموذج المعرفي تمثل نسبة نجاحه بتفسير أي مجموعة عينات عشوائية من الـ population.

إدعاء رقم 3: الإيمان هو تلك المرحلة التي عندها يستقر و/أو يتوقف عندها تغير النموذج المعرفي الناتج من الحركة في الاتجاهين التصاعدي والمتعالي.
إدعاء رقم 4: الإيمان هو الموقف الأقل بذلا للجهد مع آخر حالة وصل إليها النموذج المعرفي الناتج.

____________


الاعتقاد والاقتناع واللعب:-

في إحدى المقالات السابقة ذكرنا أن الصواب يحتاج إلى تعميم (generalization of truth)، وقد كان ذلك بناءً على معاني {الاتساق (consistency)، الحكم (Judgment)، التناسق (Elegance)، البساطة (Simplicity)، المعرفة (Knowledge)، الوجود (Being)}
وقد كانت التعريفات كالتالي:
الحكم: هو التجسد لعملية تصور الأحداث وهي تتشكل في صورة النتيجة.
الاتساق: المعكوس الضربي لمجموع عدد التناقضات وفجوات التفسير التي يحتوي عليها النموذج المعرفي.
البساطة: هي الجواب على سؤال تخفيض الجهد المبذول أو المحتمل بذله.
المعرفة: هي الاحتمالية الثابتة لتصور الحقائق تقنياً.
التناسق: هو التزاوج بين البساطة والحفاظ على الكفاءة.

وقد ذكرنا أن هناك اتصالا دائرياً بين الصواب والحكم، وأن الاتساق يشير إلى أي نظام مغلق من تعبيرات الأحكام بحيث يكون ذلك النظام المغلق محتوياً على أقل قدر ممكن من التناقضات وفجوات التفسير.

لكن ماذا عن الاعتقاد؟
يمثل الاعتقاد ميل النظام المعرفي من مرحلة النشوء إلى مرحلة الاستقرار، فكي ينشأ النظام المعرفي لابد من توفر عناصر خارجة عنه يستقي منها تراكيبه، ثم يتعرض ذلك النظام للتحديث والتغيير والتطوير وفقا لتكرار عملية المطابقة بين المشاهدات الخارجية ونتائج توقعاته أو تفاسيره، حتى يصل إلى الصورة المستقرة، وهي الحالة التي يمكنه فيها الإجابة عن تفسير أي مشاهدات تقع ضمن ذلك الإطار.
ولا يهم هنا صحة أو خطأ التفاسير أو التوقعات بقدر ما هو في توافر التناسق والاتساق.

يبدو بذلك أن الاعتقاد والاقتناع هو جزء من لعبة (أو آلية) واقعية تهتم بالحفاظ على استقرار المُستَضيف للنظام المعرفي، حيث يكون مسموحاً للنظام المعرفي بالتغير والتشكل.
لكن أيضا يظهر البعد الاجتماعي الذي يستخدم اعتقادات عناصره، فلا يبقى تحديث اعتقاداتهم محكوما فقط بالمشاهدات والاستقرار الذاتي، بل يكون محكوما بالاستقرار الاجتماعي، وهنا قد تتغير بوصلة تغير النموذج المعرفي إلى اتجاه معاكس لاتجاه زيادة درجة الاتساق و/أو التناسق.
فقد يكون الهدف هو في زيادة درجة التناسق فقط مع إهمال الاتساق، فتكون النتيجة نظام من أبسط وأصغر ما يمكن، لكنه ما يزال يحوي على الأقل على نفس العدد السابق من التناقضات وفجوات التفسير.
وقد يكون الهدف هو في زيادة درجة الاتساق مع إهمال التناسق، فتكون النتيجة نظام أكثر تعقيداً وحجماً ويكون صعب الهضم وعسر الفهم.

_____________

الكمال واللعب:-

هل فعلا لابد أن يكون التوجه نحو الكمال، أم يكون التوجه نحو الإشباع والاستقرار؟
وهل عند الوصول للكمال نكون قد وصلنا للإشباع والاستقرار، أم أن ثمة هناك حد فاصل تنقلب فيه العلاقة بين نسبة الوصول للكمال و بين درجة الاستقرار بما يؤدي إلى الابتعاد مرة أخرى عن الكمال حفاظا على أقصى حالة استقرار تم الوصول إليها.
يعبر الكمال عن الغاية الأسمى، وهي الوصول بدرجة الاتساق إلى المالانهاية، لكن ماذا يحدث عند المالانهاية؟، هل يؤول التناسق إلى الانعدام، حيث تنخفض البساطة؟
هل العلاقة عكسية بين الاتساق والتناسق، وفي أي مدى تكون العلاقة اقتصادية بينهما؟

هل الأفضل أن ندعّي أن الاستقرار والإشباع هو الأصل، وأن الإكمال هو الطريق، وأن الكمال هو فيما وراء اكتمال الإشباع حين ظهور الفجوة الجديدة التي تفتح الطريق لإكمالٍ آخر.
لكن كيف يمكننا إثبات الكمال، وهو يقف على عتبة اللانهاية؟
هل تَتَابُع سلاسل الإكمال والإشباع ثم ظهور الفجوات وظهور الإكمالات كردود فعل ثم الوصول لإشباعات أخرى ناتجة عنها ثم ظهور فجوات أخرى وهكذا يعني أنه يمكننا استقراء عدم وجود حالة الإكمال النهائية التي لا اكتمال بعدها؟
أم أن تسلسل الإقتراب والابتعاد عن حالة الاستقرار والإشباع هو الأصل، وألّا درجة اكتمال بدون ثمن، وأن زيادة الثمن المدفوع عن حده يؤدي إلى انخفاض أو ثبات أو حتى استقرار درجة الاكتمال، كما هو الحال أيضا مع بخس الثمن.
هل موت المُكتمِل أكثر حتمية من الكمال ذاته؟، هل الموت هو الهدف الأسمى حين ظهور أي فجوات حية؟

هل يمكن للشيء أن يكتمل من ذاته؟
يمكن ذلك إن كان حياً، فالشيء الحي يملك أدوات إكماله حتى وإن كان محتاجاً لاستيراد موارد ذلك الإكمال من خارجه ولإخراج ما لا يؤدي إلى إكماله لإفساح المجال لموارد جديدة.

____
لن أطيل أكثر من ذلك.


Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح