المثالية الواقعية و الواقعية المثالية

 سنسرد هنا قليلا بعض الطبائع العامة المتواجدة في الأصول النظرية لثقافتنا و التي عادةً ما نواجهها.
.............
1- السعي نحو التربية القويمة (هكذا يتم تسميتها).
2- السعي نحو إحقاق الحق.
3- السعي نحو الخير.
4- السعي نحو اتباع الحق و درء الباطل.
5- السعي نحو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
6- السعي نحو الصلاح و الإصلاح.
7- السعي نحو الهداية.
........
((عملياً، يمكن لأنواع الأفكار و الرؤى أن تؤثر في حركات العديد من الأمور و في قرارات و أفعال العديد من البشر، بغض النظر عن مدى منطقيتها أو جدواها، فالأساس هو في إمكانية حدوث الشئ و إمكانية تنفيذ القرار))
لماذا سردنا 7 نقاط من الأساسات النظرية للثقافة النظرية القائمة حاليا ؟ .. هذا و بساطة لإنها تعتبر أعمدة قائمة يمكن استغلالها في عمليات الدعاية و عمليات الإقناع، بالإضافة إلى أنه و في حال اعتراضك على أحد التسويغات التي تستخدمها فإنه قد لا تتوفر صياغة لائقة و fundamental يمكنها مجابهتها من ناحية، و توضيح الأمر لنا من ناحية أخرى.
تمثل العبارة السابقة الموضوعة بين قوسي التنصيص تلميحا لإمكانية الرؤى المثالية على المساهمة في الأحداث و القرارات، فالبشر يمكنهم رؤية الأمور من مناظير مثالية، و سيساعدهم ذلك في اتخاذهم لقراراتهم و في صياغاتهم لادعاءاتهم .. و لذلك إذا ما أدعى أحدهم مثلا بأن آخرين يمارسون فهما "خاطئا" للأخلاق أو الدين أو غيرهما من ساحات الصراعات المثالية فإن إدعاؤه يصبح واهيا بمجرد العودة إلى العبارة التي ذكرناها، فالأساس هو في إمكانية حدوث الشئ بغض النظر عن آرائنا فيه.
....
*الحكمة .. التجريد .. الصنم*
إذا ما نظرنا إلى الأساسات الـ 7 التي ذكرناها فإنه لا يخفى علينا أنها تعتمد اعتمادا رئيسياً على معانٍ مجردة، فالحق و الخير و الصلاح هي معانٍ مجردة، كما أننا سنجد فيها أيضا عنصر الاستحسان و الاستهجان كما في معاني المعروف و المنكر ..  الرائع في الأمر هو أن هذه المعاني على ما فيها من تجريد لا توجد بذاتها في الواقع و إنما هي تعبر عن Inter-subject relation بيننا و بين ما نراه، و هي بالتحديد تعبر أيضا عن شكلٍ عامٍ من الأحكام التي يمكن للبشر استخدامها و اتخاذ القرارات بواسطتها.


يمكننا أن ندعّي هنا بأن الرؤية الأمثل لتلك الأساسات الـ 7 لا توجد فيما يقصده أساطين ثقافتنا الحالية، و إنما هي توجد في رؤية كل أساسٍ منها في شكله المجرد، قبل التعويض عن أي متغيراتٍ أخرى في المعادلة.
و يمكننا الادعاء بأن أصول البحث عن الحكمة هنا إنما تكمن في معرفة آليات التجريد و تجريبها و حيازتها، و من ثَمَّ القدرة على صياغة المجردات و رؤية الصورة المجردة، بل و رؤية الـ placeholders (مواضع التعويض عن المتغيرات في الصياغات المجردة). ثم بعد ذلك و بعد التلاعب مع آليات التجريد و صناعة ما هو تجريدي فإن الأمر يتجه نحو استغلال الصياغات المجردة و صناعة الأساس المجرد .. مع عدم إغفال أن الصياغات المجردة عليها أن تتجانس مع وصفها لما هو في الواقع، و في نفس السياق يعتبر النقد وسيلة تطويرية لما في جعبتنا في الصياغات المجردة، و وسيلةً لزحزحة ما يثبت ضعفه و انعزاله عن أداء مهمة وصف الواقع و ملكاته .. بكلماتٍ أبسط، وسيلةً للـ refining و للـ updating.
((العقل + {آليات التجريد، الأدوات التجريدية}) --> صياغات مجردة)
((صياغات مجردة + العقل + {الملاحظة، التجربة}) --> أساس مجرد))
((الأساس المجرد + العقل + {الملاحظة، التجربة}) --> {استغلال الأساس المجرد، نقد الأساس المجرد})


لكن ما هي مشكلة ثقافتنا الحالية في التعامل مع تلك الأساسات الـ 7 ؟ .. مع اختلاف أشكال التعويضات في المعادلة لذى الفرق و المذاهب و الجماعات المختلفة إلا أنه يمكننا رصد نزوعٍ عام لدى كل جماعة نحو تبني إحدى أشكال التعويضات .. و بخصوص عملية التعويض بالمتغيرات لنُسَميها بـ" عملية صناعة المنتج" أو "الـ commoditization" .. فكما أن المعارف الطبيعية و الهندسية يمكنها مساعدتنا في صناعة المنتجات المادية و الطبيعية و الاستهلاكية فإن المعارف و الرؤى النظرية تمتلك أيضا إمكانية المساهمة في عمل المنتجات النظرية .. يمكننا بالتالي اعتمادا على ذلك اعتبار أن ما نراه و يتخذ صور الأساسات الـ 7 هو عبارة عن منتجات.
(الأساس المجرد --> التعويض بالمتغيرات --> المنتج)


حتى الآن لم نذكر أي مشكلة، فصناعة المنتجات هو أمرٌ طبيعي .. لكن تظهر المشكلة هنا على أعتاب مرحلة الدعوة و التبشير بنوعيها، التبشير المتوسع و التبشير الذاتي .. التبشير المتوسع هو الذي يهتم بأن يتبنى الآخرون المنتج، و التبشير الذاتي هو الذي يهتم بأن يدعم متبني المنتج بأن يدعموه لدى أنفسهم (يمكن أن يمارس الشخص تبشيرا ذاتيا على نفسه أو على من هم معه أو كليهما). و تبدأ المشكلة في الظهور حينما يطغى الاهتمام بالمنتج على الأساس المجرد و على البحث في آليات التعويض بالمتغيرات، و حينما يتم اعتبار أن المنتج يمثل "الصورة الصحيحة" للأساس المجرد، و هنا يمكننا ببساطة أن نصرح بأن ما يحدث هو عملية دعاية لتبني صنم .. اختصارا، يمكن تسمية تلك المرحلة بمرحلة الصنم.
((تعتبر ثقافتنا الحالية عالقة في مرحلة الصنم، حيث يزداد الاهتمام و النزوع لما بعد الـ commoditization، بحيث يكون الاهتمام بالإبقاء على المنتجات و الدفاع عنها، بل إن حتى المنتجات القائمة أصبحت تميل إلى تفضيل المثالية، أو بكلماتٍ أدق، المثالية الواقعية))
....
كتلخيص لما تم سرده فإننا يمكننا الادعاء بأننا نتعامل مع نوعين من المثالية .. المثالية الواقعية و الواقعية المثالية، حيث تمثل الأولى اتباع الناس لرؤاهم المثالية في اتخاذهم لقراراتهم و صياغاتهم في الواقع، و حيث تمثل الثانية السعي للصياغات المجردة التي تصف الواقع و تساعدنا في استخدام ما في الواقع و في اتخاذ القرارات.
و بين المثالية الواقعية و الواقعية المثالية تقع الحكمة، أو بمعنىً أدق، بوادر الحكمة، حيث يكون الاتجاه نحو الواقع و نحو تطوير ما لدينا و نحو الـ healing لحالاتنا مع المعلومات و الـ data و صناعة القرار و اتخاذه (أو حتى تركه كأحد أشكال اتخاذ القرار). و مع الأخذ في الاعتبار لأهمية الموت في هذا السياق، حيث يقع بائعوا الأصنام، و حيث يقع الهراء الناتج عن استعمال الأصنام، و حيث تقع الجملة الشهيرة "متتفلسفش" و المعبرة عن الانفصال عن الحكمة ذاتها، أو بمعنىً أدق، عن الانفصال عن بوادر الحكمة (أي القتل في المهد).

Comments

Popular posts from this blog

هل السببية استقرائية أم استنباطية

هل ما هو ميتافيزيقي يعتبر ضمن المعرفة؟

حرب سرقة الأرواح